ما بين السيد حسن والشيخ نعيم.. حزب الله بلا قلب

ديما صلح

رحيل السيد حسن لم يكن مجرد خبر سياسي عابر، بل زلزال رمزي هزّ أساس ما كان يُسوّق على أنه قوة لا تقهر.

الرجل لم يكن زعيمًا عاديًا، بل المرجع الذي تشكّلت حوله سردية الحزب كلها، القناة التي تحول عبرها الخطاب من السياسة إلى العقيدة، ومن الواقع إلى الغيب.

لم يكن يُقدَّم فقط كقائد مقاومة، بل كجزء من نظام إيماني غير معلن، حيث تختلط الإرادة الإلهية بالقرار السياسي، ويتحوّل الولاء إلى واجب يتجاوز العقل والنقاش.

لم يكن الحزب يعتمد فقط على السلاح، بل على منظومة عقائدية استثمرت في الغيبيات(الحتمية، النصر المؤجل، الاصطفاء، والشهادة كخلاص)

خطاباته لم تكن كلمات تُسمع فحسب، بل تُعاش وتُستشعر،كانت تربط بين الواقع والرمزية، بين الخوف والوعد، بين الردع العسكري والتأثير النفسي، وبين الفعل الأرضي والقدر الغيبي.

في هذا الإطار، لم يكن الحزب يعتمد فقط على السلاح، بل على منظومة عقائدية استثمرت في الغيبيات(الحتمية، النصر المؤجل، الاصطفاء، والشهادة كخلاص).

هذه الغيبيات لم تُستخدم كإيمان فردي، بل كأداة جماعية لتطويع البيئة، لضبط الأسئلة، ولتحويل الشك إلى خيانة، والاعتراض إلى خروج عن (المسار).

إقرأ أيضا: علي الأمين: السلاح تحوّل إلى مصدر «ضرر ومخاطر» والحزب مطالب بتوضيح ما حصل.. من سلّم الداتا التي أدت إلى هذه المقتلة؟

الاغتيال الذي حدث في ٢٧ سبتمبر ٢٠٢٤ في الضاحية الجنوبية لبيروت لم يكن خسارة عسكرية أو سياسية فحسب، بل كان ضربة إلى القلب الرمزي للحزب. لم يُستشهد قائد فقط، بل انهار الوسيط الذي كان يربط الناس بالغيب، ويحوّل الهزيمة إلى امتحان إلهي، والخسارة إلى صبر مقدّس.

بعدها تولى الشيخ نعيم قاسم منصب الأمين العام، لكن الواقع كشف بسرعة أن ما فُقد في شخص السيد حسن لم يُستعد، وأن أي خطاب جديد لم يكن قادرًا على إعادة إنتاج تلك الهالة التي كانت تجعل الناس تؤمن قبل أن تفهم، وتُسلِّم قبل أن تُناقش.

بعد رحيل السيد حسن، بدأ الواقع ينهار أمام الأوهام التي طالما سُوّقت عن (توازن رعب) صادر عن قوة معادلة مع إسرائيل فالحقيقة التي بدأت تتكشف بمرور الوقت هي أن ما كان يُروَّج له كقوة حقيقية لم يكن أكثر من خطاب رمزي مدعوم بقدرات تكتيكية غير متكافئة.

الاغتيال الذي حدث في ٢٧ سبتمبر ٢٠٢٤ في الضاحية الجنوبية لبيروت لم يكن خسارة عسكرية أو سياسية فحسب، بل كان ضربة إلى القلب الرمزي للحزب. لم يُستشهد قائد فقط، بل انهار الوسيط الذي كان يربط الناس بالغيب، ويحوّل الهزيمة إلى امتحان إلهي، والخسارة إلى صبر مقدّس

فالتحليلات العملية تؤكد أن قدرات الحزب، رغم بسالتها في ميدان محدد، لا تقارن بالقوة العسكرية والتكنولوجية الإسرائيلية، ولا تشكّل توازنًا فعليًا يمنع ضرب العمق اللبناني أو فرض معادلات جديدة بالقوة.

لكن ما كان يحجب هذا الخلل لم يكن السلاح، بل الغيب،الوعد المؤجل، النصر الذي لا يُقاس بالنتائج، والخسارة التي تُعاد صياغتها كجزء من خطة أكبر لا يراها إلا (الراسخون في الإيمان).

مع غياب السيد  نصر الله، بدأت هذه اللغة تفقد فاعليتها، لأن الغيب يحتاج إلى من يُجسّده، إلى صوت قادر على تحويل المجهول إلى طمأنينة، والموت إلى معنى.

الحزب بعد الاغتيال لم ينهض كما كان يُتخيّل في بيئات مؤيدة، بل واجه ضعفًا سياسيًا وميدانيًا وفقرًا في سرديته الذاتية. خطاب السيد حسن كان مزيجًا بين المقاومة وتعبئة الوعي الجمعي، لكنه في جوهره كان ثقلًا رمزيًا هائلًا أكثر من كونه قدرة قابلة للمقارنة الواقعية وقد انعكس ذلك في الاندفاع الإسرائيلي نحو ضرب الهيكل القيادي والأصول العسكرية، دون الخشية من ذلك الردع النفسي الذي كان اسمه وحده كافيًا لتجميد الحسابات.

مع غياب السيد  نصر الله، بدأت هذه اللغة تفقد فاعليتها، لأن الغيب يحتاج إلى من يُجسّده، إلى صوت قادر على تحويل المجهول إلى طمأنينة، والموت إلى معنى

الفرق بين السيد حسن ونعيم قاسم ليس مجرد اختلاف في الموقع، بل هزة كاملة في البنية النفسية للحزب فالسيد حسن كان يمتلك حضورًا شبه مادي في كل كلمة ينطقها،صوته، توقيته، نبرته، وحتى صمته، كانت جزءًا من آلة نفسية دقيقة تصنع الولاءات وتزرع الخوف والقداسة معًا.

بيئة الحزب لم تكن تتلقى خطابًا، بل كانت تعيشه كطقس، كحالة وجدانية تتجاوز المنطق،حتى خصومه كانوا يتوقفون عند كلماته، لأنهم كانوا يدركون أن خلفها قدرة على تحويل الوهم إلى حقيقة سياسية.

في المقابل، ومع أن الشيخ نعيم قاسم يمتلك عمقًا تنظيميًا وخبرة سياسية وتحليلية، إلا أنه يفتقر إلى تلك القدرة على تحويل الغيب إلى حضور.

خطابه نوعا ما عقلاني، منهجي، لكنه بلا سحر،يستمع له الناس، لكنهم لا يخضعون له نفسيًا،يفهمه الخصوم، لكنهم لا يرتعدون. هو يدير البنية، بينما كان السيد نصر الله هو البنية والرمز والعقيدة غير المعلنة في آن واحد.

بعد رحيل السيد حسن، حزب الله لم يفقد قائدًا فقط، بل فقد القدرة على تحويل الكلام إلى قدر، والخطاب إلى يقين، والولاء إلى خوف مقدّس.

الغيبيات التي كانت تُستخدم لتثبيت الناس في موقع الطاعة لم تعد تعمل بذات الفعالية، لأن من كان يجيد إدارتها نفسيًا ورمزيًا لم يعد موجودًا.

ومع هذا الفراغ، بدأت الأسئلة التي كانت محرّمة تظهر، وبدأ الشك يتسرّب إلى بيئة تعوّدت أن تُسلِّم لا أن تسأل.

بعد رحيل السيد حسن، حزب الله لم يفقد قائدًا فقط، بل فقد القدرة على تحويل الكلام إلى قدر، والخطاب إلى يقين، والولاء إلى خوف مقدّس

ولو افترضنا، للحظة، أن السيد حسن كان لا يزال حيًا، لكان الحزب اليوم في موقع مختلف نفسيًا على الأقل،كان سيستمر في إعادة تدوير الغيبيات، في تحويل كل ضربة إلى اختبار، وكل خسارة إلى جزء من مخطط أكبر.

كان سيضبط الإيقاع الداخلي، ويمنع هذا التآكل البطيء في الثقة، ويجعل الخصوم أكثر حذرًا في حساباتهم.

لكن حتى لو بقي حيًا، لم يكن ليغيّر حقائق الميدان كلها، بل كان سيؤجل الانكشاف، لا يمنعه.

الصادم بعد رحيل السيد حسن أن حزب الله، رغم هيكله العسكري والسياسي، بدا أضعف من أن يعيد إنتاج صورة قوة قائمة بذاتها. القوة المادية وحدها لم تعد كافية، والرهبة التي كانت تُبنى على مزيج من الرمز والغيب تآكلت.

الحزب اليوم يواجه صورته الأكثر قسوة(حزب بلا قلب، بلا وسيط رمزي، وبلا قدرة على تحويل الأسطورة إلى واقع.)

إقرأ أيضا: بالفيديو: توتر كبير في يانوح جنوب لبنان بعد طلب «الميكانيزم» تفتيش أحد المنازل

القوة بلا رمز تتحول إلى صدى، والهيبة التي لا تنبع من شخصية قادرة على تطويع الخيال الجماعي تتحول إلى فراغ.

السيد حسن رحل، ومعه تهاوت سردية كاملة كانت تقوم على الغيب أكثر مما تقوم على القدرة الفعلية.

وحزب الله اليوم لا يواجه فقط تحدي الاستمرار، بل امتحان إعادة تعريف ذاته في عالم لم يعد يقبل الأساطير، بل يفرض الوقائع.

السابق
إعلاميون من أجل الحرية: لقاء الرئيس عون والمطالبة بـ دفن زمن الحقبات البوليسية وإقرار قانون إعلام عصري
التالي
إصابة عناصر من القوات الأميركية والأمن العام السوري في إطلاق نار قرب تدمر