في خطوة غير مسبوقة، بدأت الحكومة الانتقالية السورية بقيادة الرئيس أحمد الشرع بتبادل المعلومات الاستخباراتية مع الولايات المتحدة الأمريكية. تأتي هذه الخطوة في إطار تطور كبير في العلاقات بين دمشق وواشنطن، وهي نتيجة لتحول جيوسياسي ملحوظ في المنطقة، حيث تم توقيع اتفاقية تعاون بين سوريا والولايات المتحدة في إطار التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، الذي يُقاتل تنظيم الدولة الإسلامية (داعش). هذا التعاون، الذي يأتي بعد سنوات من العزلة السورية على الساحة الدولية، يعكس تزايد التقارب بين الجانبين في مواجهة التهديدات الإرهابية العابرة للحدود.
التعاون الاستخباراتي بين دمشق وواشنطن: نتائج وآفاق
وفقًا لمصادر صحيفة ذا ناشيونال الإماراتية، أصبح الجانب السوري يقدم للولايات المتحدة معلومات دقيقة حول مواقع خلايا تنظيم داعش المنتشرة في مختلف أنحاء سوريا. هذا التعاون الاستخباراتي يتركز في تزويد واشنطن بالإحداثيات الجغرافية لمخابئ التنظيمات الإرهابية، عبر المديرية العامة للأمن ووزارة الدفاع السورية. المثير في هذا التعاون هو أن سوريا بدأت بتطوير قاعدة بيانات متكاملة تشمل المقاتلين الأجانب الذين قاتلوا في صفوف داعش والجماعات الجهادية الأخرى في سوريا. تشمل هذه البيانات معلومات حساسة مثل أسماء هؤلاء المقاتلين، أرقام هواتفهم المحمولة، وروابطهم الاجتماعية مثل أقاربهم وأزواجهم.
الهدف من هذا التعاون الاستخباراتي هو توسيع نطاق الضغوط على تنظيم (داعش) وقطع طرق الإمداد والتمويل عنه، عبر تحديد مواقع أسلحته ومخازنه. في هذا السياق، أفادت القيادة المركزية الأمريكية، بالتعاون مع وزارة الداخلية السورية، بتنفيذ عملية مشتركة بين 24 و27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، أسفرت عن تدمير أكثر من 15 موقعًا تابعة لتنظيم داعش في جنوب سوريا. شملت هذه المواقع مستودعات أسلحة مختلفة مثل قذائف هاون وصواريخ ومعدات هجومية. العملية المشتركة تعتبر نجاحًا هامًا في محاربة الجهاديين على الأراضي السورية، ويعد هذا خطوة جديدة في تكامل الجهود السورية-الأمريكية.
الضغوط الإسرائيلية على سوريا: التحديات الدبلوماسية
رغم النجاحات الأمنية التي تحققت من خلال التعاون الاستخباراتي بين سوريا والولايات المتحدة، إلا أن هناك تحديات دبلوماسية وصراعات إقليمية تحول دون تحقيق الاستقرار الكامل. على رأس هذه التحديات، تبقى التدخلات الإسرائيلية في سوريا التي تواصل استهداف مواقع مختلفة في الأراضي السورية. في ليلة 28 نوفمبر، حاولت القوات الإسرائيلية شن غارة برية في محافظة دمشق الجنوبية بهدف تحييد مسلحين لبنانيين متهمين بالتعاون مع الميليشيات الإيرانية في المنطقة. هذه الغارة أثارت غضبًا في دمشق، التي بدأت تشعر أن الغارات الإسرائيلية تُعرقل جهودها لتحقيق استقرار في جنوب سوريا.
تتمثل أحد أكبر المشكلات بالنسبة للحكومة السورية في عدم قدرتها على تسليم “الجهاديين” الذين قاتلوا إلى جانب نظامها في السنوات الأخيرة. لذا تشعر دمشق أن تسليم هؤلاء المقاتلين سيكون بمثابة خيانة لمجاهدين كانوا في صفها خلال فترة الحرب. ومع ذلك، لا تزال دمشق تميل إلى الانخراط في التعاون الاستخباراتي مع واشنطن في إطار مكافحة الإرهاب العالمي، وهو ما قد يعزز من فرص تحسين العلاقات السورية-الأمريكية في المستقبل.
الموقف الأمريكي من الضربات الإسرائيلية: دعوات للحوار
من جانبها، أبدت الولايات المتحدة الأمريكية قلقها من استمرار الضربات الإسرائيلية على الأراضي السورية، حيث أعلنت إدارة الرئيس دونالد ترامب أنها تراقب الأنشطة الإسرائيلية في سوريا بشكل دقيق. في منشور عبر منصته الاجتماعية “تروث سوشيال”، دعا ترامب إلى ضرورة أن تحافظ إسرائيل على حوار قوي وصريح مع الحكومة السورية، مؤكدًا أن استمرار الهجمات الإسرائيلية قد يعرقل فرص الحل السلمي والاستقرار في المنطقة. ترامب وصف الوضع في سوريا بعد وقف إطلاق النار في غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2024 بأنه “فرصة تاريخية” لتوطيد السلام في المنطقة.
وأشارت المصادر الأمريكية في أكسيوس إلى أن البيت الأبيض يسعى لإقناع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بضرورة وقف الهجمات على سوريا، مشيرين إلى أن استمرار هذه الضغوط قد تقوّض جهود أمريكا الدبلوماسية وتفوت فرصة تاريخية لاستعادة العلاقات مع دمشق. إلا أن إسرائيل ترى في سوريا تهديدًا أمنيًا مستمرًا، وهو ما يعزز سياستها العسكرية في المنطقة.
المحادثات الأمريكية-السورية-الإسرائيلية: الحواجز السياسية والتحديات الأمنية
في الوقت الذي تتواصل فيه المفاوضات المكثفة بين المسؤولين الأمريكيين والإسرائيليين والسوريين، تظل بعض القضايا العالقة التي تعرقل تحقيق الاستقرار في المنطقة. وفقًا للمصادر الأمريكية، كانت المحادثات الدبلوماسية التي جرت منذ 28 نوفمبر/تشرين الثاني تركز على الحد من التداعيات السلبية للغارة الإسرائيلية في دمشق، ولكن الشكوك والتحديات المتعلقة بالمواقف الإسرائيلية تجاه سوريا تبقى عائقًا كبيرًا أمام أي تسوية شاملة.
يأمل البيت الأبيض في أن يُفضي هذا الحوار إلى توقيع اتفاقية أمنية بين سوريا وإسرائيل تهدف إلى نزع السلاح من جنوب سوريا، وهو ما قد يُمهّد الطريق لانضمام سوريا إلى اتفاقيات إبراهيم التي تهدف إلى تطبيع العلاقات بين الدول العربية وإسرائيل. ولكن سوريا، التي لا تريد المزيد من التصعيد مع جارتها إسرائيل، تظل حريصة على موازنة مصالحها مع الحوافز التي يقدمها الغرب، خاصة في ظل التحديات الأمنية المتزايدة في البلاد.
آفاق التعاون السوري-الأمريكي في المستقبل
في النهاية، قد يكون التعاون الاستخباراتي بين سوريا والولايات المتحدة بداية لمرحلة جديدة من العلاقات بين البلدين. وبينما ترفض دمشق تسليم جهادييها الذين قاتلوا معها، إلا أن تبادل المعلومات الاستخباراتية يفتح أفقًا واسعًا للتعاون الأمني، ويعزز فرص التصالح بين القوى الكبرى في المنطقة.
التعاون بين دمشق وواشنطن قد يسهم في تثبيت الاستقرار في المنطقة، خاصة إذا نجحت المفاوضات الدبلوماسية في تهيئة الظروف لوقف الأعمال العسكرية الإسرائيلية، وفتح آفاق جديدة للسلام. ومع ذلك، فإن استمرارية هذا التعاون تتوقف على قدرة الأطراف على التعامل مع التحديات الأمنية المعقدة، والتوازن بين الأمن القومي السوري والعلاقات الدولية المتشابكة.

