تصعيد سياسي وأمني يربك المسؤولين..ورسائل نارية باتجاه اليونيفل

في مشهد لبناني يزداد تعقيدًا على إيقاع الغارات الإسرائيلية واتساع رقعة الاشتباك السياسي الداخلي، برز تطوّر لافت في مواقف حزب الله تجاه الحكومة واليونيفيل، بالتوازي مع عودة الضغوط الأميركية لدفع لبنان نحو مفاوضات مباشرة مع إسرائيل. وبين رسائل الأمين العام المساعد للحزب الشيخ نعيم قاسم، وتحذيرات الأمم المتحدة، ومواقف رئيس مجلس النواب نبيه بري، يتقدّم الجنوب نحو لحظة مفصلية تتقاطع فيها خطوط النار مع خطوط التفاوض.

رسائل حزب الله: تأكيد على السلاح وتحذير للحكومة

أعاد الشيخ نعيم قاسم تثبيت المعادلة المركزية للحزب: لا نزع للسلاح، لا بالقوة ولا بالتفاهمات السياسية، ولا ضمن أي إطار يتجاوز الحدود جنوب الليطاني. بينما حمّل الحكومة مسؤولية “إظهار بطولاتها”، في إشارة واضحة إلى أنّ الحزب يرى في أداء السلطة الرسمية تراجعًا عن ثوابت يعتبرها جزءًا من “معركة الوجود”.

انتقاده لتعيين “مدني” في لجنة مراقبة وقف إطلاق النار لم يكن تفصيلاً تقنيًا، بل إشارة سياسية إلى توجّه يقرأه الحزب كتراجع سيادي نحو “تنازلات مجانية”. وهو تحذير يحمل رسائل مضاعفة: للحكومة بأنّ خطواتها “قد تغرق السفينة بالجميع”، وللغرب بأنّ أي تغيير في هيكلية آلية الرقابة الدولية لن يمرّ بلا اعتراض.

اليونيفيل: توتر ميداني ورسالة سياسية

بيان اليونيفيل أتى ليعطي المشهد بعدًا إضافيًا. فالغارات الإسرائيلية التي طاولت محرونة والمجادل وبرعشيت ليست جديدًا، لكن ربطها بعمليات الجيش للسيطرة على “البنية التحتية غير المصرّح بها” يعكس تقاطعًا دوليًا ـ لبنانيًا تجاه ضرورة ضبط السلاح جنوب الليطاني، وهو ما ينسجم مع قرار الحكومة الأخير.

أخطر ما سجّله البيان هو حادث إطلاق النار نحو آلية لليونيفيل قرب بنت جبيل. تصنيفه كـ”انتهاك خطير للقرار 1701″ ليس مجرد توصيف أممي، بل يعتبر تمهيدًا لرفع مستوى الضغط على الدولة اللبنانية. فالحديث عن “تحقيق شامل وفوري” يضع الحكومة أمام اختبار قدرة على ضبط الأرض، في وقت تُتهم فيه بالعجز أو التراخي.

الرسالة الأكثر حساسية جاءت في التحذير من “مغبّة أي رد فعل لبناني قد يُفاقم الوضع”، ما يوحي بأنّ المجتمع الدولي يرى أنّ المشهد قابل للانفجار من أي نقطة احتكاك، خصوصًا في ظل اتساع هامش المبادرة الميدانية لدى مجموعات صغيرة أو أفراد.

ضغط أميركي: براك يطرح المفاوضات المباشرة

في أبو ظبي، قدّم المبعوث الأميركي توم براك ما يمكن اعتباره رؤية الإدارة الأميركية للحل: لا إمكانية لنزع سلاح حزب الله بالقوة، والبديل هو المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل. هذا الطرح، الذي كان يُهمس به في الكواليس، خرج الآن إلى العلن.

ما يزيد من دلالته أنه يأتي في لحظة تصاعد المخاوف من عودة الحرب. براك لا يقدّم طرحًا نظريًا، بل يربط بين تجنّب الانفجار وبين الذهاب إلى اتفاق أمني ـ سياسي جديد. وهذا الطرح، وإن بدا صادمًا للبعض، يستند إلى تقدير أميركي بأنّ الآليات الحالية غير كافية لوقف التصعيد.

أما مورغان أورتاغوس، فأشادت بإشراك شخصيات “مدنية” في الميكانيزم، في إشارة واضحة إلى دعم واشنطن لمقاربة الحكومة الجديدة التي تسعى لتقليص الدور العسكري في إدارة ملف وقف النار. لكنه دعم يثير حساسية في بيئة المقاومة.

بري: لا تفاوض تحت النار

على خط موازٍ، أعاد رئيس مجلس النواب نبيه بري تثبيت موقعه التقليدي كـ”ضابط إيقاع” بين الداخل والخارج. فشرطُه واضح: لا تفاوض قبل وقف العدوان. وهو شرط يضعه في مواجهة مباشرة مع الطرح الأميركي، لكنه في الوقت نفسه ينسجم مع موقف حزب الله.

بري يحمّل إسرائيل مسؤولية إفشال أي مسار تفاوضي، ويعتبر أنّ استمرارها في خرق 1701 وانتهاك الحدود يهدّد بإعادة تفجير الجبهة. موقفه من مشاركة السفير سيمون كرم في لجنة الميكانيزم يعكس واقعية سياسية: “المهم ما الذي سيفعله”، في إشارة إلى أن الشكل ليس المشكلة بل وظيفة المشاركة.

الجنوب أمام مفترق جديد

يتقاطع المشهد اليوم عند ثلاثة خطوط أساسية: رسائل تصعيدية من حزب الله، ضغط دولي متزايد عبر اليونيفيل، واندفاعة أميركية نحو مسار تفاوضي جديد. وبين هذه الخطوط، تبدو الحكومة محاصرة: مطلوب منها ضبط الأرض، إدارة الضغط الدولي، واستيعاب اعتراضات الحزب.

الجنوب، مرّة جديدة، ليس ساحة اشتباك فقط، بل ساحة اختبار لحدود الدولة ولخيارات لبنان الكبرى: بين الصمود والمواجهة، وبين الانخراط في مسار تفاوضي قد يرسم حدود مرحلة جديدة بالكامل.

السابق
علي الأمين: تعيين السفير كرم رئيساً لوفد التفاوض هو قرار لبناني فرضته الاعتبارات الداخلية ولا يمكن للحزب أن يقف في وجهه
التالي
بين تهديدات الشيخ نعيم ودبلوماسيته المصطنعة مع الدولة كذبة كبيرة