الطريق من بيروت إلى شتورا في البقاع تمتدّ لما يقارب 46 كلم، وهذا الطريق، أو “الأوتوستراد”، يُدعى طريق “بيروت – الشام”، ويُعرف كذلك بـ”طريق الموت”. والطريق جبلية تصل إلى أعلى قمّة في ضهر البيدر، حيث يبلغ ارتفاعها 1500 متر عن سطح البحر. وتتخلّل الطريق الكثير من المنعطفات والمنحدرات صعودًا وهبوطًا. ومن أصعب الممرّات وأخطرها على الطريق الدولية ممرّ ضهر البيدر، الذي يمتدّ نحو 14 كلم من صوفر إلى أوّل شتورا.
طريق دولية بلا إنارة!
وعلى الرغم من كونها “طريقًا دولية”، إلا أنّها وعرة ومليئة بالتشقّقات والحفر الكبيرة التي تكاد تختفي داخلها إطارات السيارات، ما يسبّب أضرارًا بالغة بمختلف المركبات. وتتّسع هذه الحفر أكثر فأكثر بفعل العوامل الطبيعية وكثافة المرور، إضافةً إلى بطء الصيانة من قبل وزارة الأشغال العامة والنقل وإهمال البلديات لها، لكن الاخطر يتجلى في غياب الإنارة. وتزيد معاناة المواطنين في الشتاء، وخاصة أثناء تساقط الثلوج. ويبدأ السؤال التقليدي على ألسنة المواطنين: “الطريق سالكة؟”.
وصفة متكاملة لحوادث الطريق!
تم تزفيت الطريق مرارًا من قبل متعهدي مقاولات وبناء، وفي كل مرة كانت يتم هدر الأموال، ووضع زفت بمواصفات رديئة وبمعايير متدنية الجودة. فالزفت لا يلبث أن يتشقق بفعل الثلوج والمياه والحرارة كل عام. في عام 2018، انهار جزء من طريق ضهر البيدر من جهة الوادي، ما سبب ذعر المواطنين المارين. وقد عالجت الوزارة الأزمة بعد وقوع الكارثة كما يحصل عادة في لبنان. لا يفصل الطريق في الاتجاهين قواطع إسمنتية، ما يضع السائقين في الذهاب والإياب في مواجهة بعضهم البعض، ويزيد من احتمالية حوادث السير.
السرعة ليست تحت السيطرة!
حركة الشاحنات المارة على طول الطريق الدولية كثيفة، وقد يصل طول بعضها لـ17 مترًا، ما يؤدي لخنق حركة المرور، خاصة في ظل عدم الالتزام بالمواقيت التي حددتها وزارة الداخلية لهذه الشاحنات بالمرور بسبب غياب الرقابة. وتسير هذه الشاحنات والصهاريج بعشوائية دون أي اعتبار للقانون، وما من سرعة محددة توقف عجلاتها، وليس من خط يحدد مسارها، فتتنقل يمينًا ويسارًا دون اكتراث. ويزيد من خطورة الطريق ارتفاع سرعة السائقين عليه، خصوصًا مع غياب ضبط السرعة، الذي لو وُجد لكان ردع المواطنين عن القيادة المتهوّرة.
إقرأ أيضا: تحالفات انتخابية في بيروت الثانية..واصطفافات مفاجئة تُشعل معارك سنيّة حامية!
كما تحدث العديد من أزمات المرور الخانقة بسبب انزلاق السياراة الصغيرة والكبيرة، إذ لا تعمد الوزارة لرش الطريق بالملح أو غيره من المواد المخففة للانزلاق، علمًا بأنه كثيرًا ما تغطي الطريق طبقة جليدية بسبب انخفاض درجات الحرارة لما دون الصفر. وسبق أن علِقَت سيدة مع زوجها في الطريق لأربع ساعات بسبب الازدحام. وكانت السيدة حاملًا، وجاءها الطلق، فاضطر الزوج بمساعدة الناس إلى إتمام عملية الولادة في الطريق!
استثمار سياسي انتخابي!
أمام هذا الواقع المزري، لم يكن ينقص البقاع سوى سياسيّون جدد يفاخرون بـ”كرمهم” عبر إضاءة الطرقات بأموالٍ وقفية، فيما الدولة غارقة في صراعاتها الإقليمية حينًا والداخلية حينًا آخر، وعاجزة أمام دينٍ عامّ كبير. كان الأمل معلّقًا على البلديات: إمّا بانتخاب من يملك القدرة المالية لإنعاش البلدات البقاعية المحيطة للطريق حتى تتمكن من رفع كفاءتها وفعاليتها، أو اختيار ذي شخصيات كفوءة وقادرة على جمع التبرعات. لكن هذه الصورة لم تتحقّق إلا عند قلّة قليلة، بينما غرقت معظم البلديات تحت جبالٍ من الديون التي تتراكم فوق ما سبقها.
أين البلديات!
ولنعد إلى جوهر القضية: الحديث هنا عن شريان البقاع وعصب لبنان سيما كونه الطريق التجارية البرية مع سوريا إلى العراق والأردن. هذا الطريق تحوّل ليلًا إلى مسرح موت حقيقي؛ ظلامٌ دامس يبتلع السيارات، وساحة انتظارٍ لشاحناتٍ راسية بانتظار أمر العبور. أمّا النزاع القديم بين بلدية مجدل عنجر وإدارة المصنع حول تنظيم الوقوف، فحوّل المنطقة إلى فوضى مفتوحة بلا أي حلول.
وفي وقت تُضاء فيه الطرقات الفرعية بأموالٍ مشروطة أو بديونٍ تُثقِل كاهل البلديات، يبقى الأوتوستراد العربي واجبًا وطنيًا لا يمكن اختزاله بحدود بلدية معيّنة، بل بمصلحة لبنان كلّه. وعليه، فإن مسؤولية إضاءته تقع مباشرة على عاتق البلديات التي يمرّ بها هذا الشريان الحيوي: مجدل عنجر، برالياس، الروضة، المرج، تعلبايا، شتورة وزحلة.
فهذه الطريق في عهدتهم… قولًا وفعلًا، وبلا أعذار.

