لبنان… بلد لا تنقصه المعرفة ولا الشعارات بل العمل: لماذا يتجنب المسؤولون الإصلاح رغم أنهم يعرفون تمامًا ما يجب فعله؟

من يتولى الشأن العام في لبنان ليس محصورًا داخل حدود لبنان فمعظم الساسة اللبنانيين ورؤساء الأحزاب بكل تراكيبها واتباعهم جالوا العالم، شاركوا في مؤتمرات دولية وساحوا فيها، زاروا دولًا مستقرة ومتقدمة، وشاهدوا عن قرب كيف تعمل الأنظمة الحديثة التي تقوم على المؤسسات والحوكمة والمصلحة العامة ويعرفون تماما كيف تبنى و ما الذي يجب فعله لخروج لبنان من أزمته وتقدمه على دول كثيرة بطاقاته الزاخرة.
لذلك، فإن السؤال ليس: هل يعرف هؤلاء ما هي الإصلاحات المطلوبة. نعم إنهم يعلمون جيدا وجدا.

والسؤال الحقيقي: لماذا لا يطبقون ما يعرفونه جيدًا والواضح كضوء الشمس في رابعة النهار؟ فالمسألة ليست نقص معرفة أو خبرة.
هل المسألة نقص إرادة؟ أم نقص ماذا؟ أم فعل واع بعدم القيام بالمسؤولية مهما تعددت أسبابه؟

هل لأن الإصلاح الحقيقي لا يخدم مصالحهم؟
أي إصلاح جذري يعني دولة فاعلة ومؤسسات شفافة وقرارات تُتخذ وفق القانون وهذا كله يصطدم مباشرة مع المنظومة التي تقوم على: الزبائنية ، المحسوبيات ، شبكات النفوذ، تقاسم المواقع والتدخل السياسي والحزبي في كل تفاصيل الدولة.

أي إصلاح جذري يعني دولة فاعلة ومؤسسات شفافة وقرارات تُتخذ وفق القانون

فالإصلاح يُفقد الكثيرين قدرتهم على التحكم بالناس عبر الخدمات والتنفيعات بتحويلهم من لاجئين سياسيين واجتماعيين بالضرورة عند الأحزاب والزعامات والطوائف إلى مواطنين كاملي الأوصاف، ويُضعف قدرتهم على الإفلات من المحاسبة. لذلك يُعرقَل قبل أن يبدأ.

هل لأن المحاسبة تهدد ركائز النظام القائم؟

الإصلاح الفعلي يعني الرقابة وفتح الدفاتر، التدقيق في الحسابات، مراجعة سنوات من القرارات المالية والسياسية والفساد، ورفع الغطاء عن ممارسات كانت تتم بلا رقابة.

هل يمكن لطبقة سياسية تستفيد من غياب الشفافية أن تسمح طوعًا بإنشاء مؤسسات رقابية فعّالة؟ إن من لا يفعل ذلك داخل أحزابه هل سيفعلها في دولته؟ طبعًا لا. لذلك يعيش لبنان في حلقة مفرغة: إدارة للفساد وللأزمة بدل حلّها، وتدوير للخسائر بدل الاعتراف بها والاستكمال في البائقة الكبرى ألا وهي سرقة الأعمار والأوقات جيلا بعد جيل …

إن الاستمرار في الوضع القائم سيجعل لبنان صحراء قاحلة لا يجد فيها حتى المستمرون بهذا النهج شيئا ليحصلوا عليه لأنفسهم فضلا عن اللبنانيين جميعا. وكما قال أحدهم: إن البلدان أشبه بمصنع مترابط عندما تخرب آلة في نظامه، ولا تبادر إلى إصلاحها، فإنها تتمدد وتعطل كل المصنع.

هل المشكلة طائفية فعلا؟
ليست المشكلة طائفية بل منظومة مصالح تستخدم الطائفية كغطاء.
كثيرًا ما يُقال إن الإصلاحات تتعطل بسبب الحسابات الطائفية. لكن الواقع يقول شيئًا آخر:
اللبنانيون في حياتهم اليومية لا يعيشون أي توتر يُذكر بالمعنى الجوهري بينهم. لا يوجد خطر طائفي فعلي بين الناس. التعايش طبيعي، العمل مشترك، الحياة الاجتماعية مندمجة. الخطر الحقيقي ليس بين الناس بل يُصنع فوق رؤوسهم.

الاستمرار في الوضع القائم سيجعل لبنان صحراء قاحلة لا يجد فيها حتى المستمرون بهذا النهج شيئا ليحصلوا عليه لأنفسهم

كلما ظهرت خطوة إصلاحية لو كانت تقنية وبديهية تراهم يسارعون لطرح أسئلة مثل: من يستفيد؟ من يخسر؟ هل يختل التوازن؟ ليس لأنهم يخافون على الطوائف، بل لأنهم يخافون على حصصهم. فالطائفية هنا ليست قناعة، بل أداة إدارة للنظام؛ والخطر الطائفي ليس واقعًا، بل واجهة لإعطاء شرعية لاستمرار تقاسم وظائف الدولة ومواردها في نواد مغلقة على الفاسدين وأزلامهم. هكذا تُقتل السياسات العامة قبل أن تولد، لا لأنها تهدد التوازن الوطني ولا لأنها تضر المواطنين، بل لأنها تهدد التوازن داخل شبكة نوادي وجماعات المصالح التنفيعية المغلقة التي تتحكم بالبلد.
إن هؤلاء لا يختلفون على مصالح اللبنانيين أولا وآخرا، بل يوزعون هذا الاختلاف الظاهري والحصص بما لم يعد يمر على المجتمع العربي والدولي.

هل لأن الإصلاح يتطلب قرارات “غير شعبية” لا يريد أحد تحمّل كلفتها؟

الإصلاح الاقتصادي الحقيقي مؤلم في بدايته : فاستقلالية القضاء، إعادة هيكلة القطاع العام، إصلاح قطاع الكهرباء، تنفيذ إجراءات مالية صارمة، وقف الهدر، إعادة ضبط الدعم والاستدانة غير المنتجة ، إعادة هيكلة المصارف، قانون انتخابي عادل، قانون احزاب وطني، مكننة الإدارات، اللامركزية الإدارية … وغيرها مما يعد ويحصى، هذه خطوات تحتاج شجاعة سياسية كبيرة وشجاعة كهذه غير موجودة لدى من يفكر بالحصص والانتخابات قبل بناء الدولة وبالشعبوية قبل مستقبل اللبنانيين وأولادهم وأحفادهم المهدد … هو ينتفع من الدولة ومداخيلها ويأكل منها ويستنزفها ولكنه لا يطبق ما هو ضروري لقيامها بل يتحالف مع من يسقطها ويستنزفها ويستنزف مواطنيها… هو يأكل منها ويضع نياشينها ويأخذ مواقعها ووظائفها ورتبها ولكنه يطبق سياسة غيرها وليس سياستها …

هل لأن الخارج حاضر ؟
لبنان ساحة نفوذ دولي وإقليمي، وأي إصلاح قد يتعارض أحيانًا مع مصالح أطراف خارجية. وعندما ينتظر كل فريق إشارة من داعميه قبل اتخاذ أي قرار، تصبح الدولة كاملة رهينة قرارات لا علاقة لها بمصلحتها الداخلية. رجل واحد قد يعطّل قرارًا مصيريًا ليس لقناعته، بل لارتباطاته التي ربط بها نفسه وبالتالي اتباعه ورهنهم خارج مشروع بناء الدولة.

هل لأن الأزمة بالنسبة للبعض فرصة ذهبية؟

هناك من يستفيد من الفوضى، ومن يربح من انهيار الدولة: التهريب، الاحتكار، الأعمال غير الشرعية، الاقتصاد الموازي، التوظيف السياسي، وكل ما يتضخم مع غياب الرقابة. دولة القانون تُنهي كل هذا. لذلك، بالنسبة للبعض، آخر ما يريدونه هو دولة فعّالة. وهؤلاء قد يشعلون أي حرب واختراع نزاع طائفي لبقاء مصالحهم …

المعرفة موجودة، الحلول جاهزة، والخطوات معروفة. لكن الإصلاح في لبنان ليس مسألة تقنية بل مسألة عمل وليست شعارا

ختاما إن لبنان لا ينقصه الخبراء بل العمل والإرادة السياسية. ما يحدث في لبنان ليس لغزًا اقتصاديًا، ولا مشكلة تقنية، ولا نقصًا في النماذج.

المعرفة موجودة، الحلول جاهزة، والخطوات معروفة. لكن الإصلاح في لبنان ليس مسألة تقنية بل مسألة عمل وليست شعارا. معركة بين دولة ممكنة ودولة قائمة على المصالح والاستزلام، بين مؤسسات يمكن أن تنهض ومنظومة تفعل المستحيل لمنع ذلك.

وحدهم المواطنون اللبنانيون دفعوا الثمن طوال هذه السنين وحان الوقت لقول الحقيقة كما هي: الإصلاح ليس لغزًا ولا كلاما معسولا ولا وصفا جميلا .. الإصلاح عمل تظهر آثاره.

السابق
المنسّقة الخاصة للأمم المتحدة تحذّر من استمرار المماطلة: الجيش وحده لا يمكنه إنفاذ القرار 1701
التالي
تيار التغيير في الجنوب ينظّم لقاء سياسي تحت عنوان «عودة الجنوب وبناء الدولة»