من المعروف أنني كنت من أكثر العاملين من أجل حياد لبنان. حملت هذه الرسالة عمليًا منذ بدايات عملي الدبلوماسي في تشيكوسلوفاكيا الإشتراكية. أيدت هذا المبدأ الذي نادى به العميد الراحل ريمون إدّه بعد الإجتياح الإسرائيلي للبنان عام ١٩٨٢. وجدت في حينه أن الحياد في الصراع القائم هو الحيلة الوحيدة لبلد الأرز للخروج من حالة الساحة لصراعات المنطقة والعالم في حينه. لبنان كان جزءًا من حركة عدم الإنحياز التي اعتمدت الحياد الإيجابي في الصراع بين الشرق والغرب، وحياده بالنسبة لمقاربة المعسكرين من موضوع السلام في الشرق الأوسط يقع ضمن هذا المنطق حيث يتبنى لبنان فقط القرارات الدولية المعنية بهذا الأمر وملتزم بما تقرره الأمم المتحدة.
أزمة الحياد بين النظرية والتجربة الدولية
لطالما سعيت إلى إقناع الدول الديمقراطية الغربية بضرورة دعم حياد لبنان واعتماد قرار في مجلس الأمن لهذا الغرض بغية المساهمة باستعادة السلام والسيادة لهذا الوطن المنكوب. لم يحصل ذلك. عانى لبنان كثيرًا ودفع الأثمان الباهظة نتيجة صراع الجبابرة على منطقة الشرق الأوسط. كانت قضية فلسطين هي الواجهة، لكن الواقع الأعمق كان السيطرة على المنطقة لما تحويه من ثروات.
كتبت وحاضرت كثيرًا حول هذا الموضوع. كنت سعيدًا عندما طالب غبطة البطريرك الراعي بالحياد. وتلقيت دعوة من حزب الكتائب للمشاركة في مؤتمر عن الحياد. لكنني اضطررت إلى السفر والإقامة في الولايات المتحدة.
من الجامعة إلى البحث الحضاري الواسع
أقنعت قسم الشرق الأوسط في جامعة تكساس في أوستن عام ٢٠١٩ بتبني فكرة بناء السلام بعد النزاع في لبنان. انطلقت كأستاذ زائر في هذه الجامعة أبحث في أسباب وتطورات الأحداث في بلدنا بغية فهم حقيقة المواقف الدولية من الحالة اللبنانية.
درست بعمق تاريخ التدخل الخارجي في لبنان، وسعيت أن أستكشف خلفيات هذا التدخل وأغراضه لدى الدول المعنية، فتطور بحثي المتعلق بلبنان إلى بحث عن التطور الحضاري والسياسي في العالم ولا سيما في آسيا وأوروبا منذ العصر الحجري القديم وحتى الآن.
ما زلت أتابع هذا البحث. لكني توصلت في إطار قراءاتي إلى خلفيات الموقف الغربي وخاصة الأميركي من الحالة اللبنانية وكذلك من الصراع العربي الإسرائيلي.
الحياد بين الرؤية الأميركية والنظام اللبناني
بخلاف الاعتقاد السائد من أن الموقف الأميركي المعادي للعرب يعود إلى احتضان الولايات المتحدة لدولة إسرائيل، فإن أميركا سعت بعد الحرب العالمية الثانية إلى إقامة علاقات تحالفية مع العرب. لم تكن متحمسة لإسرائيل كما هي الحال الآن، بل كانت تريد تكريس علاقة تحالفية مع العرب لمواجهة الإتحاد السوفياتي والتمدد الشيوعي، وخاصة بعد الموقف السوفياتي في إيران واليونان. لم تقبل واشنطن مبدأ الحياد الذي اعتمدته حركة عدم الإنحياز بقيادة عبد الناصر في حينه، ورأت أنه وسيلة للتمدد الشيوعي والسوفياتي في المنطقة. ورأت في إعلان باندونغ موقفًا عدائيًا لها.
من هنا فهمت أن الحياد بالنسبة للرؤية الاستراتيجية الأميركية للشرق الأوسط غير مقبول. ولا حل وسط سوى بالتحالف معها ومع الغرب في مقاربة القضايا القائمة في المنطقة.
اعتمد لبنان منذ استقلاله نظامًا سياسيًا من جذور المفهوم الغربي القائم على الديمقراطية الليبرالية والاقتصاد الحر. لا حياد في بلدنا بالنسبة للمفاهيم السياسية والاقتصادية لنظامنا الوطني. نحن شئنا أم أبينا جزء من هذا النظام. لم يضطر لبنان لتغيير في هيكله السياسي والاقتصادي بعد سقوط الإتحاد السوفياتي والنظام الشيوعي. وقد كرس النظام الدولي الجديد هذا المفهوم الحضاري، فلماذا الحياد إذا؟
هل يُقصد بالحياد تحييد لبنان عن وقائع الصراع مع إسرائيل؟ في الواقع نبدو كمن يذهب إلى الحج والناس عائدة منه. اختلف الواقع في الشرق الأوسط ونحن في مرحلة إطلاق مفاوضات مع إسرائيل. لم يعد مطلب الحياد متوافقًا مع متطلبات المرحلة الجديدة.
إقرأ أيضا: حزب الله يستعد للانتخابات: تحدّيات متصاعدة وبري يرسم قواعد اللعبة الجديدة

