مُت فارغاً: حكمةُ «خلّةِ الزيتونة» ونداءُ العطاءِ قبلَ الرحيل

قطف الزيتون

كان شتاءُ عامِ ألفينَ وعشرينَ في بلدةِ عَبّا، بجبلِ عامل، يحملُ نَسَماتِ الأملِ الممزوجةَ بأريجِ الزيتونِ المُعمّرِ الذي يكسو خلّةَ الزيتونة.

على تلكَ الشُرفةِ، التي تتجلّى فيها عظمةُ الصمودِ الجنوبيِّ والبذلِ المتواصل، جلسَ والدي، الأستاذ خليل ترحيني، أبا بشار، مُعافِراً لآلامِ الجسدِ بروحٍ لا يَنالُ منها الكَلَل.

كانَ التنقّلُ بحذرٍ يُخفّفُ منْ ألَمِ كسرِ الوِرك، لكنَّ شغفَهُ بالقراءةِ وتدوينِ الأفكارِ ظلَّ حاضراً في مُفكّرتِه وكشكولِه اليومي.

لقاءٌ مع فكرةٍ تهزُّ الوجدان

كانتْ بينَ يديهِ مجموعةٌ منَ الكُتبِ الجديدةِ، منْ بينِها كتابٌ مترجمٌ لفتني عنوانُهُ المُدهش: “مُت فارغاً” (Die Empty) للمؤلفِ الأميركي تود هنري.

لمْ أرغبْ في البدايةِ أنْ أقرأَ لهُ مقدّمةَ الكتاب، خوفاً منْ أنْ تُثيرَ سيرةُ الموتِ أوجاعَهُ، لكنَّ إصرارَهُ دفعني لأفعل.

بدأتُ أرتّلُ القصةَ الأصليةَ لاستلهامِ الفكرة:

“أثناءَ اجتماعِ عملٍ، سألَ المديرُ المجتمعينَ قائلاً: ما هي أغنى أرضٍ في هذا العالم؟ فأجابَهُ أحدهم: بلادُ الخليجِ الغنيةُ بالنفط. وأضافَ آخر: مناجمُ الألماسِ في إفريقيا… فعقّبَ المديرُ قائلاً: بل هي المقبرة! نعم، إنّها المقبرةُ أغنى أرضٍ في العالم؛ لأنَّ ملايينَ البشرِ رحلوا إليها وهم يحملونَ الكثيرَ منَ الأفكارِ القيّمةِ التي لمْ تخرجْ للنورِ ولمْ يستفدْ منها أحدٌ سوى المقبرةِ التي دُفنوا فيها.”

حوارُ الأبِ والفكرة

هنا، وعلى تلكَ الشرفةِ، تحوّلَ النصُّ منْ مجرّدِ قراءةٍ إلى حوارٍ وِجدانيٍّ عميقٍ.

أضاءَ وجهُ والدي بابتسامةٍ حكيمةٍ، وهوَ يستلهمُ منْ فكرةِ تود هنري التي تنادي:

“لا تذهبْ إلى قبرِكَ وأنتَ تحملُ في داخلِكَ أفضلَ ما لديك، اخترْ دائماً أنْ تموتَ فارغاً.”

علّقَ والدي بأنَّ هذهِ الدعوةُ ليستْ سوى نداءٌ للعملِ المُضاعَفِ حتى آخرِ نَفَس، فالذي يدعونا إلى التخلّي عن كنوزِنا الداخليةِ قبلَ الرحيل، إنّما يدعونا إلى تداركِ الغُبنِ الأعظمِ؛ غُبنِ موتِ الفكرةِ الصالحةِ قبلَ صاحبِها.

فـقيمةُ المرءِ ما يُحسِنُهُ، والعملُ الذي لا يُثمِرُ في الحياةِ يذهبُ سُدى.

فلا يكفي أنْ تتمنّى أو ترجو، بلْ يجبُ أنْ تسيرَ بخطواتٍ ثابتةٍ، فـشتّانَ ما بينَ عملين:

عملٌ تذهبُ لذّتُهُ وتبقى تبعتُهُ، وعملٌ تذهبُ مؤونتُهُ ويبقى أجرُهُ.

دروسٌ في تجاوز الأنا والخوف

ثمَّ مضى والدي، بعمقِ المُفكّرِ، يُقارنُ بينَ هذهِ الدعوةِ وآلياتِ الإنجازِ العمليّةِ التي طرحها الكتاب، مُدمجاً إيّاها بنصوصٍ خالدةٍ.

وأشارَ إلى أنَّ منَ الأمورِ التي تُبقينا في حالةِ رجوعٍ هوَ تضخُّمُ الأنا؛ الشعورُ المُتضخّمُ بالذاتِ الذي يمنعُنا منْ خوضِ التجربةِ خوفاً منَ الفشل.

وأكدَ أنَّ النجاحَ ليسَ وليدَ لحظة، بلْ هوَ نتاجٌ لـلمغامرةِ بجُرأةٍ نحوَ المجهول، ولأنْ تُقيسَ عملَكَ بالتقدّمِ اليوميِّ الذي تُحرزُهُ في الأمورِ التي تهمُّك، فـأفضلُ الأعمالِ ما أُكرهتِ النفوسُ عليها، أيْ ما تجاوزتْ بهِ النفسُ راحتَها لِتَصنَعَ خيراً.

كما أشارَ إلى أنَّ الوصولَ ليسَ بضغطِ زرّ، بلْ هوَ دفعُ الثمنِ كاملاً: جهدٌ، ووقتٌ، وتركيزٌ لا يسمحُ بمُلاحقةِ هدفينِ مُتنافرينِ في آنٍ واحد.

لأنَّ العملَ الصالحَ هوَ خيرُ الزادِ، فيجبُ أنْ يكونَ هذا العملُ مُتقَناً ومُتتالياً، لأنَّ شتّانَ ما بينَ عملين.

حكمةُ الزيتونة: العطاءُ الذي لا ينقطع

وفي ختامِ حديثِه، وهوَ ينظرُ إلى خلّةِ الزيتونة، أشارَ إلى أنَّ هذا المفهومَ يتجلّى في قولِهِ صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّم:

“إذا قامتِ الساعةُ وفي يدِ أحدِكُم فسيلةٌ فليغرسْها.”

إنّها دعوةٌ لـلعطاءِ المُستمرِّ الذي لا يُوقِفُهُ يقينُ النهاية.

أنْ نكونَ كشجرةِ الزيتونِ: تُعطي زيتَها وثمرَها بسخاءٍ ابتداءً، دونَ انتظارِ سؤال.

فلا تكتُمْ الخيرَ في داخلكَ فتموتَ ممتلئاً مُتخَوماً.

ذاكرةُ الخليل وميراثُ العملِ الصالح

لقد كانتْ تلكَ الجلسةُ توثيقاً لذاكرةٍ جميلةٍ ولِروحِ والدي المُلهِمةِ، وهوَ يدمجُ الفكرةَ العالميةَ في نسيجِ الأصالةِ العاملية.

فالغايةُ هيَ أنْ نُفرِغَ شُحنةَ طاقتِنا الإيجابيةِ كلَّ يومٍ، ونُبدعَ ونُحسنَ وننشرَ الحبَّ، حتى تكونَ أرواحُنا قدْ أدّتْ رسالتَها كاملةً، وتُحلّقُ عالياً، تاركةً خلفَها ميراثاً منَ العملِ الصالحِ هوَ الخليلُ الذي لا يُفارقُ الإنسانَ في مِضجَعِه الأخير.

اقرا ايضا:ترُابُ عَبّا: شهادة الصدق في رُباعيّة الزيتون، والصَّبّار، والتّبغ

السابق
زلزال إعلامي في مؤسسة «BBC» البريطانية.. ما علاقة ترامب؟
التالي
طقس خريفي متقلب وماطر يسيطر على لبنان.. وتحذير من سيول محتملة