استفاق قبل الأذان بدقائق، والهاتف يزمجر في كفه كجرو مذعور: رسائل صوتية سريعة، عناوين مواقع إلكترونية عاجلة، همهمات غروبات الواتساب وقد تغيّرت نبرتها. فجأة، صار اسم نبيه برّي يُتداول بنبرة فاحصة لا مُبايعة (عالعمياني). نواب كانت تخفت أصواتهم كأطفال الروضة صاروا يلعلون على الميكروفون المزروع على منبر خشبي متواضع وصغير، كان أراد صاحبه أن يُشعِر من يقف عليه بأنه أصغر بكثير منه؛ هوالمتربع كالملك الأبدي على طاولة كبيرة، ممتشقا مطرقة يدقها كل حين كإعلان عن امتعاض ما، أو ربما بسبب رجفة عابرة في إحدى ركبتيه العجوزتين.
قاعة البرلمان التي بدت لثلاثة عقود حوشاً خاصاً، لم تعُد كذلك.
شيء ما انزاح في داخله.
العالم الذي عرفه وعاش فيه دار نصف دائرة كاملة ناح الغرب.
لأعوام طويلة، قيل له حكاية مطمئنة: ثق بحراس الهيكل، حيّ على المقاومة، لبيّك نصر الله، وستهبط الكرامةُ كالمزن الزلال: وظيفة هنا، خدمة هناك، حماية تُغطي جناية أو حتى جريمة.
هو لم يسمِّ ذلك “تفوقاَ”، بل أسماه إنصافا متأخرا بعد قرون من التهميش.
حين يؤمّن مكتب الحزب والحركة مازوتا لحيّ، أو يجد قريبه عملاً عبر الرابط الحزبي، كان يهمس: هكذا يُعاد “ركلجة” كفة الميزان في لبنان.
كان يشير إلى عام 2000 ويقول “نصر إلهي”، وإلى 2006 ويقول “ردع إلهي”، ومع كل أزمة يردد: “نزداد ثباتا وقوة.”
لكنّ، اليوم، النصر انقلب هزيمة.
البندقية التي قيل إنها لحماية حدود الوطن وردع “السايبة” تسللت وتمدّدت إلى قلب السياسة الداخلية. نشأت دولة داخل الدولة بامتدادات دقيقة: نقابات، جامعات، بلديّات، ومحاكم تفتيش ومختبرات فحص دم يومية. تعلّم أي باب يُفتح بالشعارات والأهازيج واللطميات، وأيّ باب يُقفل في وجه الإعتراض أو الإختلاف، وأيّ صمت يُدفع ثمن القوت اليومي. لم يكن ذلك ديمقراطية.
لكن ذلك كان “حال الناس” أجمعين.
اليوم يرى بأم عينه الهالة المصطنعة تلك وهي تتحلل مع تغيّر المعطيات والخرائط وحدود النفوذ والحركة.
أكثر جيرانه وأقاربه من أساتذة ومحامون وضباط وتجار وسماسرة، يرجفون من فكرة الهبوط إلى ما قبل العام 2000.
وكرسي “دولة الرئيس” والشاشة العملاقة التي كان يبّث منها “السيّد” قراراته، موجها سبابته إلى عيون اللبنانيين والعرب، كلها أدوات بسيكولوجية لم تعد تضمن الطاعة العمياء، فالأولى تهشمت، والثانية تزعزعت، وحساب التحالفات لم يعد يلين بإشارة أو بنظرة أو بابتسامة خبيثة.
في الخارج، كلمة “مخاطر” تلتصق، كعلكة ممضوغة لسنوات، بكل ما تمس بيئته وقريته وضاحيته ومصالحه الخاصة.
وفي الداخل، ابتسامة موظّف البنك مشدودة، والصيدلي يهز كتفيه بغزارة، والبقال يحسب الفراطة مرتين وثلاثة قبل أن يضعها في كفه.
المقايضة القديمة، تهديد مقابل صمت واستعباد، مكانة مقابل خضوع واستزلام، قد بطُلت صلاحيتها وربما اندثرت إلى أبد الآبدين.
هذه ليست سياسة فقط: إنّها شخصية جمعية، لا بل هوية، مشروخة ومجروحة.
طوال ربعِ قرن، تمت مَراكمة سرديّة صعود شيعي لا يعرف الهوان.
يقول: “صبرنا طويلا جدا تحت نصال أبو بكر وعمر وعثمان والأمويين والعباسيين والمماليك والصليبيين والعثمانيين والمصريين والإدارت الغربية المتعاقبة منذ زمن الإنتداب الفرنسي، حتى، عندما أتت موجة آيات الله، سحبتنا معها إلى أعالي الجبال، وثبتتنا ملوكا أزليين على هذه البلاد الحزينة. شعرنا أخيرا أننا لم نعد على الهامش، وها قد حان وقت الإنتقام من كل من ظلمنا واستعبدنا كل تلك السنوات الطويلة.”
إقرأ أيضا: التحوّل السياسي ممكن.. ما يعلّمه أحمد الشرع للبنان اليوم
يجلس إلى دفتر الحساب. حوالات ابنه من أبيدجان تُبقي الثلّاجة ملأى. رايات العزاء وصور الشهداء على الطريق صارت تعريفا جديدا لـ “الطبيعي”. شهادة ابنه الأصغر مُعلقة على جدار تنتظر فيزا أجنبية ومطارا لا يذلّها. كيلو البندورة. فاتورة الإيجار. مرارةُ سفارة تُهين طالبي التأشيرة من ألوان وأصول معيّنة. كلمة “المقاومة” بات لها طعم المازوت: كثيفة، لازمة أحيانا، لكنها تخنق الرئتين.
ثم يحصي نصيبه من المسؤولية.
لطالما صوّت كما طُلب منه، لوّح بالراية في كل المناسبات، أرسل ملايين الصوتيات والفيديوات والبوستات والتغريدات ليعلم الكون كله أنه مع المقاومة قلبا وقالبا ودماء.
وكم نظر إلى قدمي السيّد وانتشى بنعاله.
وكم أحبّ شعور الإستعلاء والتكّبر ذاك.
إحساسَ العلوّ.
راقه جدا خضوع زملائه في العمل لإرادته. فهو الشيعي المقدام صاحب السطوة والظهر القوي.
الاعتراف بذلك ليس خيانة. إنّه ربما أول خطوة للخروج من ذلك الوهم القاتل.
إذن، ماذا بعد كل تلك الهيمنة الطويلة والجميلة والرومنسية؟
ليس تسليما لهرميات الأمس، ولا جلدا للذات.
هو شيء أشد صعوبة.
هو فك ارتباط “الكرامة” عن السيطرة.
ثلاث قواعد جافة كالمحاسبة والمساءلة ومتى يأتي زمنها، وفي أي إطار، وما هي الضمانات.
إلى من قادوه إلى هنا يستطيع أن يصوغ جملة بلا صراخ: إن كنتم تحبوننا فتنحّوا خطوة إلى الوراء.
أعيدوا البندقية إلى ثكنة الدولة التي تزعمون حمايتها والدفاع عن مصالحها وأنتم عاجزون عن رفع علم لبناني واحد مقابل مليون علم إيراني.
وإلى أبناء الطوائف الأخرى الذين قد يشفون غليلهم بمشاهد الانكفاء يقول جملة ثانية: لا تُهينونا، ساعدونا أن نرجع إلى الجمهورية كمواطنين لا كوحوش حان وقت ترويضها.
اليد التي تُمدّ إلى الناس، لا إلى الأحزاب، هي وحدها التي تقطع السلسلة القاتلة التي لم يقدر الخطاب التعبوي الإلهي، ولا الخطاب المضاد، أن يقطعها تماما.
يشرب قهوته المرّة في صباح التغييرالمفروض بقوة النار والحديد وأزيز الدرونات.
غروبات الواتساب لا زالت تئّن.
خطاب إلهي جديد يُكتب في مكان ما تحت الأرض.
“مسيرة تاريخية” أخرى يتم التحضير لها.
بيان نصر آخر على الطريق.

