الأسرة بين الإيمان والمواطنة: آن الأوان لقانون مدني يضمن المساواة

منى فياض

في هذه المرحلة الصعبة التي يمرّ بها لبنان، حيث يعيش الناس تحت خط الفقر وضغط الخوف من الحرب واحتمال توسّعها، نعاين تتفاقم الأزمات داخل البيوت اللبنانية نفسها. القلق، النزوح، الضائقة المعيشية، والضربات المستمرة منذ اتفاق السابع والعشرين من تشرين الأول 2024، الي تلت جريمة تفجير المرفأ ونهب اموال المودعين… كلّها تُلقي بثقلها على العائلات، فتزداد الخلافات، وتكثر حالات الطلاق وسوء التكيّف.

من هنا، يصبح الاهتمام بعدالة قوانين الأسرة ليس ترفاً أو انصرافاً عن الواقع، بل حاجة ملحّة لحماية المجتمع من الداخل، لأن تماسك الأسرة هو أول خطوط الدفاع عن الإنسان في زمن الأزمات.

ومن الملاحظ عموماً أنه في كل مرة يُفتح فيها النقاش حول محاكم الأسرة وقوانين الأحوال الشخصية، نعود إلى الدوامة نفسها: تأويل النصوص، تبرير العنف، ومحاولات تجميل التمييز بألف طريقة.

لكن الحقيقة البسيطة التي لا تحتاج إلى فقه أو فلسفة هي أن العدالة لا يمكن أن تكون نسبية، وأن المواطنة لا تتحقق إلا بمساواة كاملة أمام القانون.

توحيد قانون الاحوال الشخصية

كنتُ مؤخراً في ورشة العمل الإقليمية التي نظّمتها  المؤسسة اللبنانية للسلم الأهلي الدائم بالتعاون مع المركز النرويجي لحقوق الإنسان، واستضافها المعهد العالي للإدارة ESA ، شارك فيها قضاة شرعيون وروحيون من لبنان والأردن وفلسطين، إضافة إلى قانونيين ووزراء ونواب وجمعيات مجتمع مدني ومثقفين وناشطين. وكان من بين اهداف المؤتمر توحيد قوانين الأحوال الشخصية في العالم العربي. ومخاطر هذا الطرح ان التوافق يعني التنازل أمام اكثر القراءات محافظة وتشدداً.

وخلال النقاشات، تكرّر المشهد الذي نعرفه جميعاً: دفاع عن “الخصوصيات الدينية”، وتبريرات تُخفي تحتها رفضاً لأي مسّ بالسلطة الذكورية المتجذّرة في أنظمتنا القانونية، بذرائع فقهية قابلة للقراءة والتأويل.

المستغرب كان موقف شيخ عقل الموحدين الدروز، الذي أباح ضرب المرأة!! وبلغ الأمر ببعض المشاركين، ومنهم نساء، إلى القول إن “الضرب مقبول ويمكن أن يكون رمزياً أو ملطفاً وحتى كلامياً”.  ألسنا أمام تمرين لغوي لتبرير إساءة المعاملة والتمييز؟

الاهتمام بعدالة قوانين الأسرة ليس ترفاً أو انصرافاً عن الواقع، بل حاجة ملحّة لحماية المجتمع من الداخل، لأن تماسك الأسرة هو أول خطوط الدفاع عن الإنسان في زمن الأزمات.

في تلك اللحظة، أدركتُ أن الجدل حول إصلاح الخطاب الديني، على أهميته، ليس مجالي ولا هو أولوية اليوم.

لأن الإصلاح الحقيقي لا يكون بإقناع أحد بتغيير معتقده، بل بأن تُنظَّم الدولة  شؤونها وقوانينها على أساس الحرية والمساواة.

نحو إقرار قانون مدني اختياري للأحوال الشخصية بأسرع وقت

الحل ليس في الغوص في التأويلات، بل في إقرار قانون مدني عصري للأحوال الشخصية، يُتيح لكل مواطن ومواطنة أن يختار النظام القانوني الذي يريد أن يعيش في ظله.

ليتزوج المتدين وفق شريعته وما يقرّه الفقهاء، ولكن ليُمنح غير المتدين أو المختلف دينياً أو الملتزم بحقوق الإنسان خياراً مدنياً داخل وطنه، لا في قبرص أو خارج الحدود.

هذا القانون المدني يجب أن:

  • يقوم على مبدأ المساواة الكاملة بين المرأة والرجل في جميع الحقوق والواجبات.
  • يحمي مصلحة الطفل بوصفها أولوية عليا، وفق ما نصّت عليه المواثيق الدولية التي وقّعها لبنان.
  • ينسجم مع الدستور اللبناني الذي يساوي بين المواطنين في الحقوق والكرامة.
  • يُقَرّ كخيار اختياري حرّ، لا إلزامي، بحيث لا يُفرض على أحد الخروج من نظامه الديني، ولا يُمنع أحد من اختيار المواطنة أساساً لعلاقته الأسرية.

لقد تعبنا من النقاشات التي تدور حول ما إذا كان “الضرب رمزياً أم جسدياً”، أو ما إذا كان “الطلاق بإذن أو بغير إذن”.

الكرامة لا تُجزّأ، والحرية لا تُعطى بالتقسيط.

فليُترك لكل مؤمنٍ أن يعيش وفق معتقده، ولكن فلتؤمّن الدولة حقّ كل إنسان بأن يعيش وفق مبدأ المواطنة، دون أن يُحاسب على إيمانه أو على خياره.

هذا هو جوهر العدالة، وهذا ما يستحقه اللبنانيون.

إقرأ أيضا:بيان «الحزب» تمرّد سياسي على الدولة بإسم «المقاومة».. أي وحدة وطنية تبدأ بإنذار الرئيس وتنتهي بتخوين الحكومة؟

السابق
إسرائيل اليوم: العدّ التنازلي لمواجهة جديدة مع حزب الله بدأ فعلياً
التالي
أسرار الصحف المحلية الصادرة يوم الإثنين في 10 تشرين الثاني 2025