ثمة أزمة مالية أضحت متفاقمة وعصية على الحلول، على الرغم من مرور ما يقارب الست سنوات حتى يومنا هذا، من دون أن تجد لها الحكومات المتعاقبة حلولاً. وهنا نجد أن الأزمة تتفاقم يوماً بعد يوم، على الرغم من المناقشات الطويلة في اللجان الحكومية والنيابية، ولم يصدر قرار أو قانون يوقف تدهور الأوضاع المالية والمصرفية وتهريب الأموال أو صرفها وحجبها عن المودعين، والتي أصبحت مستعصية جداً، وذلك نتيجة تحالف بعض مافيا السلطة مع كارتيل المصارف، الذي أصبح أقوى من كل السلطة وأجهزتها والمودعين.
فعلى الرغم من انتخاب عهد جديد وتشكيل حكومته الأولى، وما صدر عنها حتى اليوم من قوانين إصلاحية، وانكبابها على الانتهاء مما يُسمّى مشروع قانون الفجوة المالية، إلا أن عمل الحكومة يتصف بالبطء والركود.
خلافات الوفد اللبناني تُعقّد التفاهم مع صندوق النقد
وفي هذا الأثناء، وفي دورة الخريف لاجتماعات صندوق النقد الدولي ووجود وفد لبناني مفاوض، إلا أن هذا الوفد غير موحّد الرؤية والنظرة إلى الأزمة والحلول لها. ولهذا ستبقى الطريق التي قد توصل إلى التفاهم مع الصندوق وتتكلل بتوقيع الاتفاق، والذي يُعتبر الممر الإجباري لحصول لبنان على شهادة الصندوق، والتي من خلالها يستطيع لبنان أن يحصل على شهادة حسن سلوك تمكنه من الحصول على استثمارات ومساعدات من الدول الشقيقة والصديقة، إلا أن الموقف الرسمي لم يستطع توحيد رؤيته ومواقفه. حتى ضمن الوفد اللبناني الرسمي المفاوض، نجد أن وزير المالية ياسين جابر له موقف، وحاكم البنك المركزي كريم سعيد له موقف مختلف، والنائب إبراهيم كنعان رئيس لجنة المال والموازنة لديه موقف مغاير. هذا الأمر قد يُعقّد الأمور ويشكّل عائقاً أمام التوصل سريعاً إلى اتفاق مع الصندوق.
المصارف تتهرّب من المحاسبة وتستقوي على الدولة
هذا، ويُعقّد الأمور خصوصاً أن مافيا السلطة وكارتيل المصارف يُشكلان جداراً يستعصي على الحلول، وكأن المصارف لم تشبع بعد من عمليات الاقتطاع من أموال المودعين، وتتذرع بنظريات غير مبررة إلا في مخيلة إداراتها، وكأنها من كوكب آخر.
ومنذ فترة بدأت تطفو على السطح مشاريع اقتطاع وشطب ودائع تحت حجة أن هذه الودائع مشكوك بها، من خلال تصنيفها كودائع مشبوهة، وهي بحدود عشرة مليارات دولار!
وهنا يجب رفض هذه المقولات جملة وتفصيلاً، لأنه مطلوب هنا تدقيق وتحقيق مع أصحاب المصارف وإداراتها، فإن كانت فعلاً مشبوهة، فكيف دخلت إلى المصارف؟ وذلك يعني أنها نتاج عمليات تبييض أموال شاركت إدارات المصارف بها. وبالتالي، السؤال: كيف دخلت هذه الودائع إلى حسابات المصارف؟
والجواب هو أن إدارات المصارف متهمة لأنها شاركت في تبييض الأموال، وبالتالي هذا يستوجب التحقيق معها، ولو توصل الأمر إلى تصفيتها وشطبها من لائحة المصارف ومصادرة ممتلكاتها ورساميلها.
حتى ضمن الوفد اللبناني الرسمي المفاوض، نجد أن وزير المالية ياسين جابر له موقف، وحاكم البنك المركزي كريم سعيد له موقف مختلف، والنائب إبراهيم كنعان رئيس لجنة المال والموازنة لديه موقف مغاير.
عدا عن أنه ومنذ بداية الأزمة امتنعت إدارات المصارف عن تزويد المودعين بإمكانية وصولهم إلى ودائعهم، مع العلم أن بعض المودعين المحظيين استطاعوا تحويل أموالهم إلى الخارج، كذلك إدارات المصارف كانت تقوم بتوزيع الأرباح على المساهمين وتحويل أرباحهم أيضاً إلى الخارج.
لذا، على الحكومة اللبنانية أن تشرب “حليب السباع” وتتحرك سريعاً لمحاسبة إدارات المصارف الفاسدة، وكل من يحميها أو يساعدها على الوقوف بوجه الإصلاح وعلى هذا الصمود الأسطوري في وجه كل مشاريع قوانين الإصلاح وإفشالها.
هل يُعقل أن قوانين الإصلاح مستعصية إلى هذا الحد؟
هل يُعقل أن كارتيل المصارف أقوى من الدولة اللبنانية مجتمعة بكل أجهزتها؟ والدليل أنه على الرغم من وجود عهد جديد وحكومة جديدة وحاكم جديد للبنك المركزي، إلا أن مافيا المصارف لا تزال تتحكم بكل المشاريع الإصلاحية وتعارضها، وهذا دليل على شراء المافيا بعض الذمم في لجنة المال والموازنة وبعض الكتل النيابية، مما يجعلها الأقوى، أو أن بعض مافيا السلطة متآمر ومتضامن مع المصارف؟
وفي كل ذلك، المودع اللبناني هو الضحية.
اقرا ايضا: براك يدق ناقوس الخطر.. ولبنان يراهن على مبادرة عون لتفادي الحرب

