تعود الملفات اللبنانية الثقيلة إلى صدارة المشهد، بعدما خفت بريق الحرب في غزة ودخلت مرحلة الترجمة الميدانية والسياسية لما سُمّي بـ”حل غزة”، الذي يشكّل مدخلاً إلى ترتيبات أوسع في الإقليم. وبينما ترصد بيروت بقلق مراحل هذا الحل ومواقف العواصم المعنية به، برز موقف واضح من رئيس الجمهورية جوزف عون، حدد فيه بوضوح سقف الانخراط اللبناني في المسار الجديد: عدم معاكسة لبنان لمسار المفاوضات، شرط أن يكون الانسحاب الإسرائيلي هو الثمن الحقيقي للسلام..
بهذا الموقف، أعاد عون التموضع اللبناني إلى مسار “الحياد المشروط”، أي الالتزام بالسلام إذا كان عادلاً ومتوازناً، والتمسك في الوقت نفسه بمبدأ حصرية السلاح بيد الدولة، شرط أن تتوقف الاعتداءات الإسرائيلية وينسحب العدو من الأراضي المحتلة.
وقد قرأت الأوساط الدبلوماسية هذا الموقف على أنه رسالة مزدوجة: طمأنة للغرب بأن الدولة اللبنانية مستعدة لاستكمال التزاماتها، وتحذير ضمني لإسرائيل بأن التسويات لا يمكن أن تُفرض بالقوة.
دعم دولي مشروط
تشير مصادر سياسية مطلعة إلى أنّ لبنان مقبل على مرحلة جديدة من المقاربات الغربية، أكثر تشدداً في ما يخص السلاح غير الشرعي والإصلاح الاقتصادي، وأقرب إلى سياسة العصا والجزرة.
فبعد الخطاب الذي ألقاه الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الكنيست، حيث خصّ لبنان بعبارات دعم للرئيس عون، جاءت رسالة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لتؤكد الاتجاه نفسه، إذ أعلن عن تنظيم مؤتمرين دوليين لدعم الجيش وإعادة إعمار لبنان قبل نهاية السنة.
لكن خلف هذا الدعم، تقرأ العواصم الغربية ضرورة تسريع تنفيذ التزامات الحكومة اللبنانية المتعلقة بحصرية السلاح والإصلاح المالي. وهو ما فُهم منه أن الدعم الدولي لن يكون مجانياً هذه المرة، بل مشروطاً بخطوات ملموسة على الأرض.
في المقابل، ترى أوساط لبنانية رسمية أن عون بتصريحه الأخير رمى الكرة في الملعب الإسرائيلي، واضعاً شروطاً وطنية واضحة للسلام: الانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية المحتلة ووقف الاعتداءات اليومية. فلبنان، بحسب هذه الأوساط، **ليس داعية حرب، بل داعية سلام بشروط الكرامة والسيادة.
الميكانيزم والدبلوماسية الميدانية
وعلى الخط الموازي، تتواصل التحركات التقنية في الجنوب. فقد كان مقرراً أن تزور الموفدة الأميركية مورغان أورتيغوس بيروت لترؤس لجنة “الميكانيزم” الخاصة بتطبيق بنود الاتفاق الحدودي، إلا أن زيارتها أُجّلت بسبب الإغلاق الحكومي في واشنطن.
ومع ذلك، تنعقد اللجنة اليوم في مقر اليونيفيل في الناقورة، حيث سيتصدر جدول أعمالها القصف الإسرائيلي الأخير لمنشآت مدنية في منطقة المصيلح – الزهراني، في إشارة إلى أن التوتر الحدودي ما زال يشكّل اختباراً فعلياً لنوايا إسرائيل في التهدئة.
مصادر سياسية بارزة أكدت لـ”الجمهورية” أنّ التزام لبنان بالقرار 1701 وباتفاق وقف النار هو ما يمنع التصعيد العسكري حتى الآن، مشيرة إلى أن الكرة في النهاية في يد واشنطن وتل أبيب، فإما تطبيق الاتفاق بحذافيره، وإما مواجهة مفتوحة على المستويين الدبلوماسي والأمني.
ياسين جابر أمام صندوق النقد
وفي موازاة المسار السياسي، تحاول الحكومة اللبنانية فتح نافذة أمل في الاقتصاد المنهك.
فخلال اجتماعات الخريف لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، عرض وزير المالية ياسين جابر خطة مالية متوسطة الأجل أمام كبار مسؤولي الصندوق، ركّزت على إعادة هيكلة المصارف وإصلاح النظام الضريبي والجمركي، وتطوير إدارة الإيرادات العامة.
وأكد جابر أنّ كلفة الحرب على لبنان تجاوزت 11 مليار دولار أميركي، داعياً المجتمع الدولي إلى عدم تغليب السياسة على المساعدات الإنسانية.
وقد لاقت مداخلته ارتياحاً نسبياً، خصوصاً أنّ لبنان قدّم رؤية إصلاحية متكاملة، ما قد يفتح الباب أمام مساعدات مشروطة بالاستقرار السياسي وتنفيذ الإصلاحات البنيوية.
مسارات متقاطعة
من الواضح أن لبنان اليوم يقف على تقاطع حساس بين مسارين متوازيين: مسار سياسي – أمني يرسم مستقبل سلاح الدولة وحدودها الجنوبية، ومسار اقتصادي – إصلاحي يرسم إمكانية تعافيه من أزماته.
والمعادلة التي يفرضها الغرب واضحة وهي “الإصلاح مقابل الدعم”، و”حصرية السلاح مقابل السلام”.
هكذا يبدو أن مرحلة ما بعد “سلام غزة” ستفتح على اختبار لبناني مزدوج، داخلي وخارجي، سيحدد ما إذا كان لبنان قادراً على استعادة زمام المبادرة، أم أنه سيظل ساحة اختبار لنيات الآخرين.
اقرا ايضا: ارتدادات ايجابية لـ «سلام شرم الشيخ» على لبنان.. والرهان على نجاح الدولة

