في خطوة وُصفت بأنها تحوّل نوعي في مسار العدالة اللبنانية، اتخذ وزير العدل القاضي عادل نصّار قرارًا بتعيين مجموعة من المحققين العدليين لإعادة فتح ملفات الاغتيالات السياسية التي شكّلت على مدى عقود جرحًا نازفًا في الذاكرة الوطنية.
قرار جريء ومفصلي
القرار الذي اعتبرته الأوساط القضائية “جريئًا ومفصليًا” جاء ليكسر حلقة الصمت الطويلة ويعيد الثقة بدور القضاء كسلطة مستقلة قادرة على مواجهة أكثر الملفات حساسية في تاريخ لبنان الحديث.
الخطوة، التي رآها مراقبون بأنها بداية لمسار عدالة حقيقي طال انتظاره، تعني عمليًا إعادة الحياة إلى ملفات ظلت مجمّدة في أدراج القضاء تحت وطأة الضغوط السياسية والانقسام الداخلي.
إقرأ أيضا: الإدعاء على المدير العام السابق لأمن الدولة طوني صليبا بتهمة هدر المال العام واستغلال النفوذ
وبموجب القرار، تم توزيع القضايا على عدد من القضاة العدليين وفق اختصاصات محددة، من بينهم القاضية أميرة صبرا المكلفة التحقيق في قضية اغتيال الشيخ أحمد عسّاف، والقاضي فادي عقيقي في محاولة اغتيال المهندس مصطفى معروف سعد، والقاضي يحيى غبورة في جريمة الهجوم على بلدة إهدن التي راح ضحيتها النائب طوني فرنجية وعائلته.
كما شمل التعيين القاضي جوزف تامر في قضية محاولة اغتيال الرئيس الأسبق كميل شمعون، والقاضي آلاء الخطيب في حوادث بورضاي – بعلبك، والقاضي فادي صوّان في اغتيال الوزير السابق إيلي حبيقة، والقاضي سامر يونس في قضية اغتيال النائب أنطوان غانم، والقاضي كمال نصّار في مقتل الشيخ صالح العريضي، إضافة إلى القاضي سامي صادر في قضية اغتيال الوزير والنائب بيار أمين الجميّل، والقاضي سامر ليشع في اغتيال الصحافي سمير قصير، والقاضي كلود غانم في اغتيال النائب والصحافي جبران تويني.
قرار الدولة بمواجهة إرث الإغتيالات
ويرى متابعون أن إعادة توزيع هذه الملفات لم تكن مجرد خطوة إدارية، بل إعلانًا واضحًا بأن الدولة قررت مواجهة إرث الاغتيالات من منظور قضائي بحت، بعيدًا عن الحسابات السياسية. فالتاريخ اللبناني حافل بسلسلة اغتيالات هزّت البلاد منذ اغتيال كمال جنبلاط عام 1977، مرورًا بمحاولات استهداف قيادات سياسية وصحافية، وصولًا إلى اغتيال بيار الجميّل وأنطوان غانم وجبران تويني وسمير قصير وغيرهم.
هذه الجرائم، التي لم تجد طريقها إلى العدالة بعد، ما زالت تشكل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على محاسبة المتورطين وكشف الحقيقة أمام اللبنانيين.
وزير العدل: اعادة فتح الملفات وتحريكها أمام الرأي العام
في حديث خاص لصحيفة “نداء الوطن”، أكد وزير العدل عادل نصّار أن “أهمية القرار تكمن في إعادة فتح الملفات وتحريكها أمام القضاء والرأي العام، وصولًا إلى خواتيم عادلة ومنصفة”، موضحًا أن “القضاء وحده يملك صلاحية تحديد مسار التحقيقات دون مهلة زمنية محددة”. وشدد نصّار على أن هدفه الأساسي هو “تأمين الظروف الملائمة لعمل القضاة باستقلالية تامة بعيدًا عن أي تدخل سياسي”، معتبرًا أن استقلال القضاء يشكل الركيزة الأساسية لبناء دولة العدالة.
التعاون مع الادارة الجديدة في سوريا
وفي موازاة ذلك، كشفت مصادر قضائية للصحيفة أن “إمكانية التعاون مع الدولة السورية الجديدة قد تحمل مفاجآت كبيرة، وقد تسلط الضوء على دور جهات لبنانية متواطئة مع النظام السوري السابق في تنفيذ بعض الاغتيالات”. وأشارت المصادر إلى أن لدى القضاء اللبناني أدلة دامغة على هذا التورط، من بينها قضية إدخال المتفجرات إلى لبنان عام 2012 عبر علي مملوك وميشال سماحة، إضافة إلى ملف حبيب الشرتوني المدان باغتيال الرئيس بشير الجميّل، وملف المتورطين في تفجيري مسجدي التقوى والسلام في طرابلس الذين لجأوا إلى سوريا.
إقرأ أيضا: غسان حجار لــ«جنوبية»: الجيش يحقق إنجازات… و«التسويات» تحكم لبنان!
وأكدت المصادر أن “هذه الوقائع لا يمكن التعامل معها كأحداث منفصلة، بل هي جزء من منظومة سياسية وأمنية ساهمت في زعزعة الاستقرار اللبناني لعقود”، مشيرة إلى أن اعتراف الدولة اللبنانية بمسؤولية النظام السوري السابق يشكل تحولًا نوعيًا في مقاربة العدالة لملفات الاغتيال.
إعادة الإعتبار لهيبة الدولة
ويرى محللون أن قرار الوزير نصّار يحمل في طياته أكثر من رسالة: فهو من جهة يعيد الاعتبار لهيبة الدولة وثقة اللبنانيين بمؤسساتها، ومن جهة أخرى يؤكد أن العدالة لم تعد رهينة الحسابات أو التسويات السياسية. ففتح ملفات الاغتيالات السياسية بهذه الجدية هو بمثابة إعلان رسمي أن دماء الشهداء لن تبقى معلقة، وأن زمن الإفلات من العقاب قد ولّى.
ويختتم المراقبون بالقول إن “الرهان اليوم على القضاء اللبناني في أن يثبت قدرته على السير بهذه الملفات حتى النهاية، بشفافية وشجاعة، لأن العدالة الحقيقية وحدها كفيلة بإغلاق هذا الجرح المفتوح في جسد الوطن”.

