الذاكرة الريفية بين الحرب و«المونة»: مشهد من لبنان 1975

جنوب لبنان

حين اشتعلت النيران في خاصرة الوطن بالحرب الاهلية عام 1975، ثم اهتزت مدينة النبطية تحت القذائف الإسرائيلية، وجدنا أنفسنا مضطرين إلى النزوح. تركنا بيوت المدينة المثقلة بالدخان، وانتقلنا إلى قريتنا عبّا، إلى دار جدّتي أم شريف، كما فعلت عشرات العائلات الهاربة من جحيم القصف إلى دفء القرية.

كانت القرية يومها ملاذاً لا بالمعنى الجغرافي فحسب، بل بالمعنى الوجودي أيضاً. فقد أعادت إلينا ما سلبته الحرب: إيقاع الأرض، وسكينة الجيرة، وتضامن الناس في مواجهة الجوع والغلاء. كان كل شيء يُقاس بميزان الضرورة، وكان شعار تلك المرحلة غير المعلن: “من لم تعنه الدولة، تعينه الأرض”.

وجع الغلاء وحيلة الفلاح

ارتفعت أسعار كل شيء. قنينة الغاز قفزت من ليرتين إلى ست، والحديد والترابة ارتفعا من ليرتين ونصف إلى سبع ليرات خلال أسابيع. البناء توقف، والراتب انقطع، والتاجر صار سيد الموقف. في الليالي، كان والدي مع أعمامي يتحلّقون حول السراج، يتداولون مصيبة الغلاء كأنهم يستحضرون محكمة للتاريخ. ومع ذلك لم يستسلموا. رجعوا إلى الأرض، فاستعاضوا عن الغياب السياسي بالعمل الجماعي، وعن خيانة السوق بوفاء التراب.

الحطب والبلان

مع الفجر، كان والدي وأخي بشار يخرجان إلى الوعر يستعيران دواب الأعمام ليعودا بحزم السنديان اليابس. أما النسوة فكنّ يتوجهن إلى البرية لجمع “البلان” الذي يُستعمل وقوداً ومكانس ومادة أولى لطقوس الخبز. كان مشهداً بديعاً: نسوة عند الفجر، يحملن البلان على رؤوسهن، ويغنين:

“ويا مفلس روّح عَ الدار

      تلقى الطنجرة عَ النار”

لم تكن الأغنية مجرد ترويح عن التعب، بل إعلاناً عن فلسفة البقاء: الفقر يمكن احتماله، لكن البيت لا يُترك بلا نار.

بين المدرسة والحقول

انقطعنا عن مقاعد الدراسة أشهراً، لكن الحقول صارت مدرسة أخرى. كنا نستيقظ مع شروق الشمس، نذهب إلى التلال لجمع الزعتر البري والزوفا، ثم نعود مع الضحى لنفرش ما جمعناه على أسطح البيوت. تعلمنا أن الأرض لا تُدرَّس في كتب، بل تُعاش في العرق اليومي.

يوم المونة: سلق القمح

يبقى “يوم سلق القمح” ذروة الذاكرة. كان يوماً احتفالياً يشارك فيه الجميع. تُحجز “الخلقينة” النحاسية ، ويتجمع الرجال لتقطيع الحطب والبلان، بينما النساء ينقّين القمح على شراشف بيضاء. حين يغلي القدر، يتناوب الرجال على اللز تحت النار، وتوزع النسوة الأدوار: من تغسل، من تصفي، من تنقل القمح المسلوق إلى السطوح لتجفيفه.

الأطفال يتسابقون لتذوق “القلبة” – صحن قمح مسلوق يُضاف إليه السكر – فتتحول العملية الشاقة إلى عيد مصغّر.

وكان أبو العبد عياش، صاحب الجاروشة المتنقلة، يحضر بسيارته المرسيدس القديمة، يطحن القمح، ويختم النهار بمجلس قصير لروح الأجداد، يقرأ فيه آيات من القرآن ويُتبعها بعزاء حسيني أو مدائح نبوية. فتختلط الدموع بالزغاريد، في مشهد يلخّص فلسفة الريف: طقوس الحزن والفرح أبناء بيت واحد.

فلسفة الاجتماع الريفي

في عبّا، لم تكن المونة مجرد طعام للشتاء، بل فعل مقاومة صامتة. سلق القمح، إعداد الكشك، تجفيف الزعتر، صناعة شراب البندورة، كلّها طقوس تثبّت الجماعة أمام الفوضى. كل بيت كان يُغني على ليلاه، لكن الأغاني كانت في الجو واحدة. الردّات الشعبية كانت تؤكد أن الأرض كفيلة بستر الناس:

“يا حطبنا يا سنديان

يا ساتر بيت الفقرا”

الحرب عزلت المدن، لكن القرية أعادت وصل الإنسان بجذوره. كان كل موسم يذكّرنا أن الرغيف المصنوع على “الصاج” هو أصدق تعبير عن الكرامة، وأن اجتماع النسوة حول خلقينة القمح أهم من أي خطاب سياسي.

الذاكرة الحيّة

عام 1975 كان امتحاناً قاسياً. لكننا خرجنا منه بذاكرة غنية. ذاكرة القرية التي علّمت أبناءها أن البقاء لا يصنعه السلاح ولا السياسة، بل ينسجه الخبز المشترك، والمونة المحفوظة في أكياس القماش الأبيض، واليد التي تمتد لجارها دون سؤال.

هذه الذكريات ليست مجرد حكاية طفولة، بل شهادة حيّة على أن التراث الريفي اللبناني لم يكن زينة للماضي، بل أداة للبقاء، ولغة حياة في قلب الحرب.

اقرا ايضا: الحياة الريفية في الجنوب اللبناني: من البيت الطيني إلى الصالة الفاخرة

السابق
إخلاء سبيل مدير عام كازينو لبنان رولان خوري.. ما زلت رئيسا لمجلس الإدارة وسأستكمل مهامي!
التالي
الرئيس عون لمجلس إدارة «تلفزيون لبنان»: من غير الجائز أن تستغل حرية الإعلام للترويج للنعرات الطائفية