هل انتقادات طوم باراك نابعة من شخصيته وحدها، أم أنها انعكاس للمجريات السياسية في لبنان وللاستعصاء الحاصل؟ وهل فعلًا هناك تقصير من قبل الحكومة اللبنانية والجيش اللبناني؟ وما الذي تغيّر منذ زيارته الأخيرة إلى بيروت، التي اتسمت بالإيجابية وبإشادته بالرئيس نبيه بري ومنحه صفات حميدة؟ ألم يكن من الممكن أن تكون نبرته أقل حدّة في مقاربة الملف اللبناني، وأن تُمرَّر الرسائل بلغة أكثر ديبلوماسية، ولا سيما أن خطابه لاقى صدى سلبيًا واسعًا في المجتمع اللبناني ككل، خصوصًا أنه وجّه بعض كلامه إلى الجيش اللبناني؟
تصريحات باراك وأورتاغوس
عن هذا، قال مدير المعهد الجيوسياسي للشرق الأوسط الصحافي نوفل ضو لموقع «جنوبية» قائلًا: “لا يصدر عن مسؤولين أميركيين كلام من هذا النوع بصفة شخصية أو نتيجة مزاج أو سمات فردية. وأعتقد أننا قمنا بهذا التفسير أكثر من مرة، كما حصل في تصريحات مورغان أورتاغوس عن المسؤولين اللبنانيين، التي استدعت معاقبتها وفصلها عن الملف اللبناني، ثم اكتشفنا أنها ما تزال في صلب هذا الملف. وأيضًا، في مرحلة من المراحل، اعتبرنا أن كلام طوم باراك من القصر الجمهوري يعكس أداءً شخصيًا، ثم تبيّن أنه بقي في موقعه. واليوم تأتي تصريحات باراك الأخيرة بنبرة غير مألوفة ديبلوماسيًا، ليس فقط تجاه المسؤولين اللبنانيين، بل أيضًا تجاه الإعلام اللبناني”.
التصريحات ستترجم إلى سياسات
ويعتبر نوفل ضو أن مثل هذا الكلام خطير، بمعزل عن صحته، لأنه يعكس انطباعًا تكوَّن لدى المسؤولين الأميركيين عن أداء الدولة اللبنانية. ويلفت ضو إلى أنه لا يقول إن كلام باراك يعكس الحقيقة، لكنه على الأقل يعكس الانطباع العام حيال المسألة. ويرى أن الخطورة تكمن في حال كان انطباع الإدارة الأميركية متطابقًا مع نبرة باراك، إذ إن ذلك يعني أن السياسة الأميركية تجاه لبنان ستُترجم وفق هذا الانطباع. ويشدد على أن: “الأمر لن يبقى في إطار التصريحات، بل سيترجم إلى سياسات، وهذه السياسات ستجعل لبنان، بطبيعة الحال، يدفع الثمن”.
هل قامت الدولة اللبنانية بموجباتها؟
السؤال هنا: هل قامت الدولة اللبنانية بواجبها في تنفيذ القرار 1701 أم لا؟ يعتبر نوفل ضو أن “الدولة اللبنانية، في الحد الأدنى، لم تنجح في تبيان موقف يرضي الإدارة الأميركية والمجتمعين الدولي والعربي”. ويرى أن كلام باراك يشكل توصيفًا للواقع، معتبرًا أن إسرائيل تتصرف بمعزل عن تصريحات باراك أو أورتاغوس وغيرهما. فعلى الرغم من إمكانية الضغط الأميركي على إسرائيل، إلا أن الموقف الإسرائيلي متفلّت تمامًا في هذه المرحلة وغير خاضع لما تريده واشنطن. فالقرار الحربي الإسرائيلي يصدر عما يريده بنيامين نتنياهو، لا عما يتطلع إليه المجتمع الدولي أو غيره.
“الأمر لن يبقى في إطار التصريحات، بل سيترجم إلى سياسات، وهذه السياسات ستجعل لبنان، بطبيعة الحال، يدفع الثمن”
المشكلة باتت مع المجتمعين العربي والدولي
هل تصريحات باراك، معطوفة على التصريحات الإسرائيلية وتصعيد العمليات الإسرائيلية، تنذر بحرب وشيكة؟ فالعدوانية الإسرائيلية تجاه لبنان معروفة، وتجاه العالم العربي معروفة، وتجاه الفلسطينيين معروفة. في هذا الإطار، يعتبر ضو أن التصعيد الإسرائيلي لا يعطي حزب الله تبريرًا للتمسك بسلاحه، بل على العكس: “حزب الله يعطي لإسرائيل أيضًا تبريرًا لعدوانها”. فالمشكلة اليوم، بالنسبة لنوفل ضو، أنها لم تعد مع إسرائيل فقط، بل صارت مع العالم العربي والمجتمع الدولي، لأن: “المطالب من الدولة اللبنانية هي بسط سيادة الدولة على كامل أراضيها، وهي لم تعد مطالب إسرائيلية فقط، ولكنها مطالب عربية ودولية، وقد تكون متقاطعة مع المطالب الإسرائيلية ربما”. ويؤكد أن الخطورة في المسألة تكمن في عدم نجاح الدولة اللبنانية في جعل المجتمع الدولي يتبنّى وجهة نظر لبنان.
ويرى ضو أن الدولة اللبنانية مستمرة في تقديم الأعذار بأنها لا تستطيع وليس لديها القدرات أو الإمكانات، بينما المجتمع العربي والدولي لا يأخذ بعين الاعتبار كل هذه الأعذار. وتعتبر الدول العربية، ومعها المجتمع الدولي، أن على الحكومة اللبنانية أن تبادر، و”إذا احتجتم لأي دعم فنحن مستعدون، وإلا فالإسرائيلي سينفذ المهمة”. وهذا يبقى تحليلًا للوقائع على الأرض، بحسب ما يقول نوفل ضو.
ويشير إلى أن الجيش الإسرائيلي حاليًا مستمر في مهماته الحربية والعسكرية في لبنان، فيكاد لا يمر يوم دون قصف أو اغتيالات أو تفجيرات وأحزمة نارية. ويتساءل: “إلى متى سيستمر الحال على هذا المنوال دون أن تتوسع رقعة الاستهدافات وتتحول إلى مواجهات؟” فالحرب مستمرة بالنسبة لضو ولم تتوقف منذ 27 تشرين الأول 2024، دون أن تكون هناك أي مؤشرات لتوقفها في الوقت القريب.
الدولة اللبنانية مستمرة في تقديم الأعذار بأنها لا تستطيع وليس لديها القدرات أو الإمكانات، بينما المجتمع العربي والدولي لا يأخذ بعين الاعتبار كل هذه الأعذار.
حلف عربي لمواجهة الأخطار الإسرائيلية
من وجهة نظره، يرى ضو أن “حزب الله لا يمكن التعامل معه كدولة، ولكنه يطلب من الآخرين معاملته كدولة. حزب الله منظمة صغيرة ومصنفة إرهابية في العديد من الدول العربية وبنظر المجتمع الدولي، وبالتالي موقعه لا يخوّله توجيه الدعوات إلى المملكة العربية السعودية أو غيرها من الدول لإقامة حلف يعتمد النهج الذي يعتمده حزب الله”.
ويعتبر أن هذه الدعوة تنطوي على قدر من الاستكبار في التعاطي مع الدول العربية، فالحزب يطرح أمورًا أكبر من حجمه ويضع شروطًا للتفاهم مع السعودية، بحيث يشترط أن تعتمد الدول الخليجية نفس النهج الذي يعتمده الحزب. ويرى أن الحزب، بصفته ووضعه القانوني وحجمه في النظام الإقليمي والدولي، لا يخولانه لعب هذا الدور أو التعامل مع الدول. ويشير ضو إلى أن: “المملكة العربية السعودية لا يمكنها المطالبة بنزع السلاح، ثم في الوقت نفسه الدخول في حلف مع حزب لبناني مسلّح بشكل منفصل”. ويؤكد ضو، في نهاية حديثه، أن حزب الله لا يزال غير قادر على قراءة الوقائع والتغيّرات بدقة.
اقرا ايضا: عاقبة خامنئي.. كأس السم أم شراب الشهادة؟

