لو درسوا لنجحوا!

اعتصام قصر العدل

“يغير الإنسان ملابسه مرة بعد مرة ليحافظ على نظافته، بينما يحتفظ بأفكار هي أشد اتساخًا من ملابسه، والأغرب من ذلك أنه يدافع عنها” – فريدريك نيتشه

في كتاب نيتشه *هكذا تكلم زرادشت*، يقف زرادشت أمام الناس ويقول إن الإنسان مجرد جسر، مرحلة انتقالية، لا نهاية الطريق. كثيرون يظنون أن الإنسان هو ذروة الخلق، لكن زرادشت يرى أن ما نحن عليه ليس سوى بداية، مجرد شيء يجب تجاوزه. الإنسان الأعلى ليس كائنًا خياليًا أو إلهًا جديدًا، بل هو صورة الإنسان حين يتحرر من خوفه، حين يخلق قيمه بيده بدلاً من أن يرثها من دين أو تقليد. الإنسان العادي يعيش منتظرًا الخلاص، يطلب معنى حياته من قوة خارجية، بينما الإنسان الأعلى يعرف أن لا أحد سيمنحه معنى جاهزًا، فيصنعه بنفسه. هو من يقول نعم للحياة حتى في قسوتها، من يحول ضعفه إلى قوة، من لا يخاف من السقوط لأنه يعرف أن كل سقوط هو خطوة أخرى في طريق الصعود. هكذا يصبح الإنسان الأعلى ليس وعدًا لمستقبل بعيد، بل تحديًا لكل فرد الآن: هل ترضى أن تبقى عبدًا للقيم الموروثة، أم تملك شجاعة أن تخلق ذاتك.

بين “لو” وامتناع التغيير

نعم، لو درسوا لنجحوا… وفي حين أن “لو” حرف شرط غير جازم، فهو حرف *امتناع لامتناع*. وحين نمتنع عن التغيير يسقط حقنا في الماضي والحاضر والمستقبل القريب والبعيد… يسقط حقنا في مَن نكون أو كنا.. يسقط حقنا في جميع المسارات الحاضرة والقادمة… يسقط حقنا في حياتنا.. ووجودنا.. ومن نكون. نحن لا نعرف كل شيء في هذا العالم الجدير بالاهتمام بكل شيء، وكل شيء من هذا القبيل أو ذاك.. حتى لو لم تكن الأفكار واضحة أو مشوشة، تمامًا كما حدث ويحدث مع البعض في السابق والحاضر وتوقعات المستقبل.

كانت هناك أشياء في الماضي لم يكن لها أي أساس أو استخدامات في ذلك الماضي وهذا الحاضر والمستقبل… كان لدينا ما يكفي من الوقت الذي نريد أن يكون لنا اليوم… دون أن نريد ودون أن نقوم بأي تغيير أو تغير في طبيعة الأمور حولنا. الحياة الطبيعية تحب التغيير.

ميراث الحكم مدى الحياة

نعم، بين الصعود والسقوط، والسقوط والصعود في ميراث البعض السياسي، يتوجب على النخب السياسية إجراء دراسات معمقة لظاهرة “الحكم مدى الحياة”، وخصوصًا في بعض الجمهوريات، والدول، والمنظمات السياسية، والأحزاب العقائدية… والأيديولوجية… وحتى تلك التي تسمي نفسها ديمقراطية وليبرالية، حيث ترسخت أحزاب وتنظيمات سياسية قمعية فكريًا بُنيت حول شخصيات حاكمة باسم الديمقراطية والأيديولوجيات السوداء والبيضاء والخضراء والحمراء والزرقاء والصفراء… التي استمرت على رأس هرم أحزابها وتنظيماتها السياسية الفاسدة لعقود وعقود. نعم لعقود وعقود.. عبر أدوات ووسائل تركيب وتوظيف شبكات الزبائنية والمحسوبيات والسماسرة، عبر الجبايات في كل أشكالها وأنواعها القديمة والحديثة.. أو الذكية في هذه المرحلة، وكأننا أغلقنا على أنفسنا في صناديق مقفلة من الداخل والخارج من كل الجهات!

لا تتوقعوا من هذه الدمى السياسية “الوطنية” أو “القومية” أو “الأممية” أو “الدينية” أن تتغير… لا يتغير منها سوى الأغلفة.

آليات ترسيخ الحكم مدى الحياة تبدأ من سؤال أساسي: كيف استُخدمت الأجهزة الأمنية، والحزب الواحد، والدساتير المعدلة لإطالة عمر الأنظمة والأحزاب، وتحويلها إلى ما يشبه الملكيات الأيديولوجية والعقائدية السوداء الخاصة؟ وكيف جرى تصويرهم دولًا ومنظمات وأحزابًا وتيارات كـ”آباء للأمة” أو “قادة أوحد” لا يعلو عليهم شيء؟

هذا دون أن ننسى الاقتصاد المموه، والزبائنية التي تتناول العلاقة بين السلطة والثروة والدم، وكيف استخدم بعض المرشدين والرؤساء والأحزاب والتيارات شبكات محسوبية واقتصاد الدولة لإحكام السيطرة على كل شيء. هذا دون ذكر التوريث والورثة والوراثة السياسية ومحاولات بعض المرشدين والرؤساء والقادة والمسؤولين توريث الحكم والمسؤوليات، وكيف شكّل ذلك نقطة ضعف لأنظمتهم وأحزابهم المريضة بالسلطة إلى حد الجشع والكفر السياسي والإرهاب بكل بساطة.

دروس الربيع العربي والضرورة النقدية

منذ انفجار 2011، أو ما يسمى ربيعًا أو خريفًا أو شتاءً، بوصفه لحظة كسر للأنماط المستمرة لعقود، مع تباين النتائج بين سقوط بعض الرؤساء والقادة السياسيين وصمود آخرين بقدرة قادر على الأرض وليس في السماء. مما يدفعنا إلى ضرورة نقد علمي لتلك الأمراض السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية المستعصية، ولكن ليس على قاعدة “نقد النقد النقدي” القديمة… وضرورة دراسة الديناميات الاجتماعية والحركات السياسية والاجتماعية والاقتصادية المعارضة، كي لا يفتقر أي موقف أو تحليل أو دراسة أو بحث لاحق إلى الموضوعية والمنهجية والواقعية.

نعم، يجب تقديم رؤية واضحة لآليات تشكل واستمرار ثم اهتزاز “تلك الأنماط السلطوية” الشرقية كي نتعلم منها ولا نسمح بتمرير وتكرار تلك الأمراض التي أعادتنا عقودًا وعقودًا للوراء. وذلك عبر دراسات وتحليلات لهذه الأنماط والشخصيات وبنى السلطة السياسية، يكشف كيف أُعيد إنتاج الحكم الفردي في أنظمة يُفترض أنها جمهورية أو ديمقراطية أو حتى “ليبرالية”، وكيف كان ذلك هشًا أمام أي تغيرات أو أحداث مفاجئة.

نعم، يجب العمل على فهم تلك الفطريات والفيروسات والبكتيريا السياسية المعدية وتحليل العلاقة بين السلطة والأشخاص الحاكمين والأحزاب، ودور الشخصنة في الدولة وأحزابها، كي نتجنب الوقوع في الحفرة كل مرة مرتين، أو ثلاث مرات، أو عشر مرات أو أكثر!

استوقفني ولفت انتباهي قبل بضعة أيام مقال سياسي عن سذاجة البعض اللبناني الذين ما زالوا يعيشون في الماضي رغم تراكم المتغيرات… يعيشون في الماضي دون الأخذ بماهية ودلالات “إذا” الشرطية على قاعدة الواقعية السياسية والموضوعية، والمعطيات اللبنانية السياسية داخليًا وخارجيًا في عودة هذا أو ذاك… نعم، ماهية الدلالات الواقعية عن عودة هذا أو ذاك أولاً؟ وماهية دلالات “المعادلات الجديدة” ثانيًا؟ وهل “إذا” الشرطية في هذا المقال هي الشرط/الشروط الوحيدة… أم هناك “إذاً” أخرى أو “لو” أخرى… حيث إن “لو” في حالتنا (…) هذه أهم بكثير من “إذا” الشرطية!

حيث إن “لو”: حرف شرط غير جازم كما ذكرنا، وهو حرف *امتناع لامتناع*، أي يتوجب في حدوث الأمر الثاني حصول الأمر الأول، فإذا امتنع الأمر الثاني عن الحصول، كان ذلك بسبب امتناع حصول الأمر الأول. مثال: لو درسوا لنجحوا. فقد امتنع النجاح، لامتناع الدراسة. إنّ فعل الشرط والجواب بعد “لو” غير الجازمة ماضيان لفظًا ومعنى… أي من الماضي!

نعم، “لو” الشرطية هي حرف امتناع لامتناع؛ أي امتناع جواب الشرط لامتناع الشرط، و”لو” الشرطية لا عمل لها أي أنها أداة شرط غير جازمة. على نحو: لو حضرت لاستمعت؛ فأنت هنا لم تستمع (جواب الشرط) لأنك لم تحضر (فعل الشرط)، فالاستماع مشروط بالحضور. لو سمعت لاستيقظت باكرًا. أنت هنا لم تستيقظ باكرًا (جواب الشرط) لأنك لم تستمع باكرًا (فعل الشرط)، فالاستيقاظ باكرًا مشروط بالاستماع باكرًا. ولو درست لنجحت، أنت هنا لم تنجح (جواب الشرط) لأنك لم تدرس (فعل الشرط)، فالنجاح مشروط بالدراسة. لو نجحت لأكرمك… أنت لم تنجح (جواب الشرط) لأنك لم تنجح (فعل الشرط)، فالإكرام والاحترام والتقدير مشروط بالنجاح أولًا.. وثانيًا.. وثالثًا…!

اقرا ايضا: بالفيديو: انذار من أدرعي تبعه قصف جوي لبلدتيّ الشهابية وبرج قلاويه

السابق
بالفيديو.. مداهمات في مخيم شاتيلا: الجيش يوقف تجار ممنوعات ويغلق مداخل المخيم
التالي
اليونيفيل: الغارات الإسرائيلية انتهاك صارخ للقرار 1701 وتهديد للاستقرار في الجنوب