بعد التصويت على “إعلان نيويورك” الذي نال الغالبية الساحقة في الجمعية العامة للأمم المتحدة، تأكد مجددًا الدعم الدولي لبناء دولة فلسطينية مستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس، وفقًا للقرارات الدولية ذات الصلة.
لقد لعبت المملكة العربية السعودية وفرنسا دورًا محوريًا في تمرير هذا القرار، متحدّيتين الغطرسة الإسرائيلية المدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية، التي سعت بكل الوسائل إلى عرقلة التصويت.
وفي المقابل، امتنعت عشر دول عن التصويت، من بينها أمريكا، الأرجنتين، وهنغاريا، إلى جانب بعض الدول الصغيرة التي لا يُحسب لها وزن يُذكر في المعادلة الدولية. لكنّ الصدمة الكبرى لم تأتِ من هؤلاء، بل من بعض الدول العربية والإسلامية التي امتنعت عن التصويت، لأسباب قيل إنها تقنية أو لوجستية أو حتى نتيجة غياب التنسيق المسبق، وهو ما لا يبرر موقف دول تدّعي دعمها المطلق لفلسطين.
خذلان الحلفاء: إيران والعراق بين الشعارات والمواقف
في الوقت الذي كان يُنتظر فيه من الدول الداعمة تاريخيًا لفلسطين أن تُترجم أقوالها إلى أفعال، جاءت لحظة التصويت في الأمم المتحدة لتكشف حجم التناقض بين الشعارات والمواقف. لقد بدا خذلان الحلفاء أشد وقعًا من عداء الخصوم، خاصة حين صدر من دول ترفع راية المقاومة وتدّعي الدفاع عن القضية الفلسطينية.
إيران: التناقض الصارخ بين الخطاب الثوري والموقف العملي،لطالما قدّمت إيران نفسها كداعم مطلق للقضية الفلسطينية، وكرّست خطابها الإعلامي والسياسي منذ أربعة عقود على شعارات “الموت لإسرائيل” و”تحرير القدس”، حتى باتت تُروّج في إعلامها الرسمي والتابع لها أن بمقدورها “محو إسرائيل من الوجود خلال سبع دقائق ونصف”. كما تُعلن في كل مناسبة أنها تتزعم “محور المقاومة” الذي يقف في مواجهة “الكيان الصهيوني”.
لكن المفارقة الصادمة جاءت في هذا اليوم التاريخي، حين امتنعت إيران عن التصويت لصالح إقامة دولة فلسطينية في الأمم المتحدة. موقف لا يمكن تفسيره بمنطق المصلحة القومية أو الحسابات السياسية العابرة، بل يكشف عن تناقض جوهري بين الشعارات الثورية التي تستخدمها إيران في خطابها التعبوي، وبين المواقف العملية في المحافل الدولية التي تتطلب وضوحًا وانحيازًا صريحًا للحق الفلسطيني.
ما يزيد الأمر تعقيدًا أن إيران لا تمارس فقط الدعم السياسي والإعلامي لبعض الفصائل الفلسطينية، بل تدير بشكل مباشر -أو عبر الحرس الثوري- القرار العسكري في غزة. وهي التي دفعت بتلك الفصائل إلى مواجهات عسكرية متكررة، دون تأمين حماية سياسية أو دبلوماسية حقيقية لها. والنتيجة أن سكان غزة دُفعوا إلى حرب مأساوية جديدة، لم ينتج عنها سوى الدمار والقتل والتشريد، في واحدة من أسوأ النكبات التي شهدها الشعب الفلسطيني، وربما تفوق نكبة 1948 من حيث الخسائر والتداعيات.
فإذا كانت إيران ترى نفسها حاميةً لحقوق الفلسطينيين، فكان الأولى بها أن تُثبت ذلك في الميدان السياسي الأممي، لا أن تتخلى عن لحظة مفصلية، وتُسجل على نفسها موقفًا سلبياً في سجل الأمم المتحدة.
المفارقة الصادمة جاءت في هذا اليوم التاريخي، حين امتنعت إيران عن التصويت لصالح إقامة دولة فلسطينية في الأمم المتحدة. موقف لا يمكن تفسيره بمنطق المصلحة القومية أو الحسابات السياسية العابرة
العراق: شعارات وحدة الساحات تتبخر في لحظة الحقيقة
أما العراق، الذي يعيش على وقع نفوذ متزايد للفصائل المسلحة المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، فقد خيّب آمال الكثيرين بموقفه المتردد في التصويت لصالح الدولة الفلسطينية. هذه الفصائل التي اعتادت أن تُطلق التهديدات ضد إسرائيل، وتعلن استعدادها لفتح جبهات دعمًا لغزة، التزمت الصمت المطبق عندما حان وقت الحقيقة واتخاذ موقف سياسي واضح في الأمم المتحدة.
بل الأكثر استغرابًا، أن تلك الفصائل ترفع شعار “وحدة الساحات”، وتزعم أن المعركة ضد إسرائيل موحدة من العراق إلى غزة، مرورًا بلبنان وسوريا واليمن، لكنها فشلت في أن توحد حتى القرار السياسي الرمزي داخل العراق لصالح فلسطين.
لقد أظهرت هذه اللحظة التاريخية أن العراق الرسمي، الذي يُفترض أنه يشارك العرب والمسلمين قضيتهم المركزية، بات مكبّلًا بالاعتبارات الفئوية والولاءات الإقليمية، إلى درجة فقد معها القدرة على اتخاذ موقف مستقل وواضح. لا يُعرف هل كان الامتناع عن التصويت قرارًا سياديًا نابعًا من حسابات داخلية، أم نتيجة إملاءات خارجية من محور المصالح الإيرانية، لكن في الحالتين، كانت النتيجة واحدة: خذلان جديد يُضاف إلى سجل المواقف الرمادية.
وفي الوقت الذي يتعرض فيه الشعب الفلسطيني لأبشع أشكال العدوان، يصبح التردد في دعمه موقفًا سلبيًا لا يمكن تبريره، خاصة من دولة كالعراق، التي تتفاخر بتاريخها القومي والإسلامي، وكانت يومًا ما من أبرز حماة القضية الفلسطينية.
وتأتي تونس، التي تحمل إرثًا نضاليًا كبيرًا مع منظمة التحرير الفلسطينية، في موقع أكثر غموضًا. كيف يمكن لتونس، التي احتضنت قادة الثورة الفلسطينية، واحتضنت فيلاتهم في منطقة الحمامات، وكانت شاهدة على اغتيال أبو جهاد وأبو إياد، أن تتراجع اليوم وتغرد خارج السرب؟ تونس التي احتضنت زهوة، ابنة الرئيس الراحل ياسر عرفات، بعد وفاته، باتت اليوم بعيدة عن الموقف التاريخي الذي يستحقه الشعب الفلسطيني.
في الوقت الذي يتعرض فيه الشعب الفلسطيني لأبشع أشكال العدوان، يصبح التردد في دعمه موقفًا سلبيًا لا يمكن تبريره، خاصة من دولة كالعراق، التي تتفاخر بتاريخها القومي والإسلامي
الفرص القادمة والمسؤولية الدولية
لا يمكن تبرير مواقف الدول التي امتنعت عن التصويت، خاصة تلك التي اعتبرت القضية الفلسطينية قضيتها الأولى. فهذه المواقف تشبه الشاب الذي يذهب إلى عرسٍ دون أن يتقدم لعروسه التي أحبها لسنوات، ثم يتوارى خجلًا في لحظة الحسم.
ولا عجب من موقف ألبانيا، الدولة ذات الغالبية المسلمة، التي امتنعت عن التصويت بدافع الحفاظ على مصالحها مع أمريكا. أما سلوفاكيا، فموقفها غير واضح، فهل هي ضمن الموقف الأوروبي المؤيد بنسبة 90%، أم هي تريد ان تراعي علاقتها مع روسيا التي صوتت بنعم؟
السؤال الأهم اليوم: هل سيُفتح الباب مجددًا خلال جلسة الجمعية العامة للأمم المتحدة في 22 أيلول لإعلان الدولة الفلسطينية رغم معارضة إسرائيل وأمريكا؟ وهل تكون السلطة الفلسطينية قادرة على تحمل مسؤولياتها كصاحبة القرار في الدولة المرتقبة؟
بين حلم الدولة وحقيقة الانقسام
إن نيل الاعتراف بدولة فلسطينية ليس مجرّد لحظة دبلوماسية عابرة في أروقة الأمم المتحدة، بل هو محطة مفصلية في مسيرة نضال شعب عانى لعقود من الاحتلال والتشريد والحصار. إنها خطوة تاريخية تعبّر عن أمل شعبٍ يحلم منذ أكثر من سبعين عامًا بدولة مستقلة، تُعيد له كرامته، وتصون حقه في الأرض والهوية والقرار.
لكن هذا الحلم، الذي بات قريبًا من التحقق على الورق، يصطدم بواقع مرير من التمزق والانقسام، ليس فقط داخل البيت الفلسطيني، بل أيضًا في الموقف العربي والإسلامي الذي يفترض به أن يكون داعمًا لا مترددًا، موحّدًا لا متناقضًا. لقد أثبتت لحظة التصويت أن الكلمات الكبرى والشعارات الحماسية لا تعني شيئًا إذا لم تُترجم إلى أفعال واضحة ومواقف حاسمة، خصوصًا في المنابر الدولية التي تُصاغ فيها مصائر الشعوب.
خذلان الأصدقاء هنا لا يُقاس فقط بعدم التصويت، بل بكيفية المواربة، والتخفي وراء الحجج التقنية والاعتبارات السياسية، بينما يُترك الشعب الفلسطيني وحيدًا في مواجهة آلة الاحتلال. والمؤلم أن هذا الخذلان لم يأتِ من خصوم تاريخيين، بل من دول تزعم ليل نهار أنها مع فلسطين، وتُقدّم نفسها قائدة لمحور المقاومة.
إن مسؤولية لحظة الحقيقة تفرض على الجميع أن يُعيدوا النظر في مواقفهم، وأن يُدركوا أن القضية الفلسطينية لم تعد تتحمّل مزيدًا من الشعارات الفارغة ولا المتاجرة السياسية. فالعدالة لا تُجزأ، والحق لا يُؤجل، والسكوت في لحظات الحسم تواطؤ وإن جاء مغلفًا بالدبلوماسية.
وعلى الأمة العربية والإسلامية أن تدرك أن بقاء حلم الدولة الفلسطينية معلقًا لا يعني فقط استمرار الاحتلال، بل استمرار الانقسام، وفقدان ما تبقى من الثقة في جدوى الدعم الدولي والمواقف الإقليمية.
إن إقامة الدولة الفلسطينية ليست نهاية الطريق، بل بدايته؛ لكنها بداية لا يمكن أن تُبنى على أرضية من الخوف أو الحسابات الضيقة، بل على وحدة الصف، ووضوح الرؤية، وشجاعة القرار.
اقرا ايضا: بالفيديو: انذار من أدرعي تبعه قصف جوي لبلدتيّ الشهابية وبرج قلاويه

