أميركا بين الركود والهيمنة: الشرق الأوسط وأوروبا في مرمى خطتها

اميركا

تواجه الولايات المتحدة اليوم مؤشرات ركود اقتصادي غير مسبوق منذ ثلاثينيات القرن الماضي. لكن التجربة التاريخية تُظهر أنّ واشنطن لا تستسلم لأزماتها الداخلية، بل تسعى دائماً لتحويلها إلى فرصة لفرض سياسات أكثر هيمنة على العالم. أدواتها في ذلك متعددة: من الدولار كعملة احتياطية عالمية، إلى العقوبات الاقتصادية، مروراً بالتحكم في سلاسل الإمداد، وانتهاءً بالحروب المباشرة أو بالوكالة.

جزء من الهدف الأساس هو منع إيران من استعادة موطئ قدم استراتيجي على شاطئ المتوسط الشرقي

في الشرق الأوسط، تبدو ملامح هذا المشروع واضحة. فالتنسيق العسكري والسياسي بين الولايات المتحدة وإسرائيل بعد السابع من أكتوبر 2023 وصل إلى درجة غير مسبوقة، وكأنّ الجيشين أصبحا جيشاً واحداً. هذا التلاحم ليس مجرد رد فعل على أحداث غزة أو التوتر مع حزب الله، بل جزء من خطة أوسع لتكريس الهيمنة الأميركية–الإسرائيلية على المنطقة. جزء من الهدف الأساس هو منع إيران من استعادة موطئ قدم استراتيجي على شاطئ المتوسط الشرقي، والحفاظ على مسار السنوات الأخيرة الذي أبعد طهران عن موازين القوة الإقليمية.

الولايات المتحدة تستنزف روسيا عبر أوكرانيا، وتستنزف أوروبا عبر الدعم المالي والعسكري لكييف

لكن الخطة لا تتوقف هنا. فالمشهد الأوروبي، وخاصة الحرب في أوكرانيا، يرتبط بشكل مباشر بهذا السياق. الولايات المتحدة تستنزف روسيا عبر أوكرانيا، وتستنزف أوروبا عبر الدعم المالي والعسكري لكييف. بينما تدفع الدول الأوروبية أثمان الطاقة الباهظة وخسائر اقتصاداتها، تجني واشنطن مكاسب ضخمة لشركاتها النفطية والعسكرية. أي أنّ الأزمات التي تعصف بالشرق الأوسط وشرق أوروبا ليست سوى وجهين لعملة واحدة: تثبيت الهيمنة الأميركية وسط عالم يتغيّر.

النتيجة واحدة: حماية الموقع الأميركي في النظام الدولي ولو كان الثمن فوضى إقليمية وحروباً مدمّرة

من هنا يمكن القول إنّ واشنطن، بدلاً من مواجهة ركودها الاقتصادي بالإصلاح الداخلي، تختار الطريق الأسهل والأخطر: تصدير الأزمة إلى الخارج. فالشرق الأوسط يتحول إلى ساحة اختبار لفرض وقائع جديدة عبر المطرقة الإسرائيلية، وأوروبا تُستخدم كأداة ضغط ضد روسيا حتى لو كان ذلك على حساب استقرارها.
وفي كلا الحالتين، النتيجة واحدة: حماية الموقع الأميركي في النظام الدولي ولو كان الثمن فوضى إقليمية وحروباً مدمّرة.

يبقى السؤال: هل يستمر العالم في الرضوخ لهذه اللعبة الأميركية، أم أنّ القوى الصاعدة ستتمكّن من صياغة بدائل حقيقية تُخرج الشعوب من دائرة الاستنزاف الدائم؟

المؤكد أنّ ملامح المواجهة الاقتصادية والسياسية المقبلة لن تُحسم فقط في واشنطن، بل في بيروت وغزة ودمشق وكييف وباريس وبرلين أيضاً، وربما عواصم عربية وأوروبية أخرى تعتبر حليفة للولايات المتحدة الأميركية.

السابق
الجيش الإسرائيلي يعلن توسيع عملياته في غزة: 360 هدفاً تحت القصف
التالي
البنتاغون يوافق على مساعدات بـ14.2 مليون دولار للجيش