البيت الذي لم نره… فجوة الذاكرة بين الحكاية والمكان

بيت قديم

في ظل التحوّلات العمرانية المتسارعة، وغياب التوثيق البصري والمعنوي للبيوت القديمة، تواجه مجتمعاتنا ما يُعرف بـ”فجوة الذاكرة” — الفراغ المؤلم بين ما تتوارثه الألسنة من حكايات، وما لم تتمكن الأعين من رؤيته، أو الأيدي من لمسه.

بات من المألوف أن تُهدم منازل الأجداد، ويُبنى مكانها عمران حديث، متين بلا روح، بلا هوية، بلا ذاكرة، بلا تفاصيل الأرواح التي سكنته. وكلما سقط جدار قديم، سقطت معه قصة… وتكسّرت ذاكرة.

بيوت تسكنها الذاكرة قبل الطوب

هناك بيوت لا تُقاس بمساحتها ولا بجمال هندستها، بل بعمق التفاصيل التي تختزنها: رائحة الخبز المرقوق، صوت الضحكة، خشونة الحائط، وزوايا “الكواير” التي تحفظ مؤونة الشتاء.

هذه البيوت ليست مجرد مأوى، بل امتداد للذاكرة الجماعية، وسكن للأرواح قبل الأجساد.

ما الذي يحدث حين يُمحى الماضي؟ حين يتحول البيت إلى أنقاض، وتُبنى مكانه جدران غريبة، لا تعرفنا ولا نعرفها، يتوقف الزمن داخله، وتندثر الحكاية.

“ما بقى في شي يشبه اللي بتحكيه يا ستي…”

بيت جدّتي الذي لم أره، أعرفه عبر صوتها فقط. كانت تحكي عن القنطرة، التنور، العتبة، وشجرة التين التي تظلل الساحة. اليوم، لم يعد البيت كما كان؛ أصبح بناءً حديثًا بأرضيات لامعة وأبواب ألمنيوم، بلا أثر من الماضي، بلا صورة، بلا رسمة، بلا طيف من الحنين.

هذه ليست مجرد قصة عائلية، بل نموذج من آلاف البيوت العربية التي أُزيلت فجأة، دون وداع، دون توثيق، ودون أرشيف.

في فلسطين، كم من حكاية جدّة ضاعت لأن البيت احترق أو نُهب أو مُسح عن الخريطة؟

وفي سوريا، بيوت دمشق القديمة، حلب، حمص… تحوّلت الأسواق والساحات والخانات إلى عمران حديث بلا روح.

المشكلة ليست في الهدم فقط، بل في النسيان. نستمع إلى الحكايات، لكننا لا نرى. نتعاطف، لكننا لا نتذكّر. المكان الذي يُهدم بلا توثيق يُمحى من الواقع والذاكرة معًا.

حتى لا نكبر أيتام الذاكرة

لو وُجدت صورة واحدة لبيت جدّتي، لكانت جسرًا بين الماضي والحاضر.

لكن الصورة لم تُلتقط، والجدار لم يُحتفظ به، والتفصيل لم يُكتب. المكتبات ليست للكتب وحدها؛ إنها خزائن للذاكرة الجمعية. الصور، المخططات، الرسومات، والشهادات الشفهية كلها عناصر تحافظ على الماضي حيًا.

البيوت ليست مجرد طوب وأسمنت؛ إنها ملامح وجوه، صدى أصوات، رائحة قهوة الصباح، ولمسة يد الجدّة عند الباب.

البيت القديم امتداد للجسد نحو الذاكرة، وحين يُمحى بلا رحمة أو توثيق، ينقطع هذا الامتداد فجأة… فتتسع الفجوة بين من عاش المكان ومن لم يره.

في عالم سريع لا ينتظر، صرنا نشيّد على أنقاض الذاكرة منازل جديدة، دون أن نقيم للحنين وزنًا. لكن الذاكرة تحتاج إلى مأوى. الماضي لا يكفي أن يُروى؛ يجب أن يُرى، أن يُلمس، أن يُوثق.

فجوة الذاكرة تهدد حاضرنا ومستقبلنا معًا، خاصة في قرى الجنوب اللبناني التي دمّرت بيوتها أكثر من مرة. هذا الدمار خلق فجوة مهولة في ذاكرتنا الجماعية والتاريخية، وأثر على الثقافة، الحياة اليومية، والشعور بالانتماء والهوية لدى الأجيال الجديدة. تقلّص حضور الأغاني الشعبية والأكلات القروية مثل “البليلة” و”بقلة الحمص”، وبهتت القيم التي شكّلت وجدان الأجيال السابقة.

ومع غياب الصور والمعالم التذكارية، يفقد الفنانون والكتّاب منابع إلهامهم، ما ينعكس على تطور الفنون والآداب المحلية.

الحفاظ على الذاكرة… مسؤولية جماعية

يجب أن نحمل الكاميرا حين نهدم، ونكتب حين نرحل، ونحافظ على معالم الماضي قبل أن يصبح مجرد قصة ناقصة.

فالماضي، ليُفهم، لا يكفي أن يُروى، بل يجب أن يُوثق، أن يُرى، أن يُلمس. هكذا تظل الذاكرة حية، والهوية متصلة، والأجيال الجديدة قادرة على أن تعرف جذورها.

اقرا ايضا: الوزير طارق متري لـ«جنوبية»: مرحلة جديدة من النديّة والإيجابيّة بين لبنان وسوريا

السابق
لبنان بين «صاحب المكان» و«صاحب الزمان»
التالي
بالفيديو: مسيرة دراجات نارية تجوب الضاحية الجنوبية والجيش يرفع جهوزيته استعدادا لجلسة الغد