صورة غامضة: جثة في مشرحة سرية قد تحل لغز الإمام موسى الصدر بعد 47 عامًا

Alleged Body to Imam Moussa Al Sadr

لغز الإمام موسى الصدر، الذي اختفى في ليبيا عام 1978، يعود إلى الواجهة من جديد بعد ظهور صورة جثة متحللة في مشرحة سرّية بطرابلس. تحقيق لهيئة الإذاعة البريطانية (BBC) يكشف مساراً مثيراً يجمع بين علم الحاسوب، شهادات صحفيين، وأسرار حقبة القذافي، في محاولة للإجابة عن سؤال حيّر اللبنانيين والعالم العربي: هل عُثر أخيراً على الإمام الغائب؟

الملخّص

  • الصورة الغامضة: التُقطت عام 2011 في مشرحة سرّية بطرابلس، ويُعتقد أنها قد تكون لموسى الصدر.
  • التقنية الحديثة: جامعة برادفورد البريطانية استخدمت خوارزمية للتعرف على الوجوه، والنتيجة أشارت إلى احتمال مرتفع أن الجثة تعود للصدر
  • الشهادة الصحفية: الصحفي قاسم حمادة أكد أن ملامح الجثة وطولها يتطابقان مع أوصاف الإمام
  • الفرضيات: بعض الروايات تشير إلى أن القذافي أمر بقتله بضغوط من متشددين إيرانيين أو بسبب خلافات حول الملف الفلسطيني

القصة الكاملة

وفقًا لتحقيق «بي.بي.سي»، يدرس عالم حاسوب في جامعة بشمال إنجلترا صورة لجثة، محاولاً حل لغز شغل الشرق الأوسط لما يقارب نصف قرن.

يسأل البروفيسور حسن أُغايِل من جامعة برادفورد بشك: «هل هذا ما يبدو عليه الآن؟».

الصورة الرقمية لوجه متحلل على وشك أن تُخضع لخوارزمية خاصة ضمن تحقيق لهيئة الإذاعة البريطانية (BBC).

الصورة الأصلية التُقطت من قِبل صحفي رأى الجثة في مشرحة سرية بالعاصمة الليبية عام 2011، وقيل له آنذاك إنها قد تكون لرجل الدين الكاريزمي موسى الصدر، الذي اختفى في ليبيا عام 1978.

اختفاء الصدر أطلق سيلاً لا ينتهي من نظريات المؤامرة. البعض يعتقد أنه قُتل، فيما يرى آخرون أنه ما يزال حيّاً ومحتجزاً في مكان ما بليبيا.

تقول «بي.بي.سي»: «بالنسبة لأتباعه المخلصين، يحمل اختفاؤه نفس الغموض الذي يحيط باغتيال الرئيس الأميركي جون كينيدي عام 1963. لدرجة أن فريقنا في BBC وجد نفسه محتجزاً في ليبيا لعدة أيام بسبب حساسية القضية».

اختفاء الصدر غيّر على الأرجح مسار الشرق الأوسط، أكثر مناطق العالم تقلباً سياسياً ودينياً وعرقياً. فهناك من يعتقد أن رجل الدين الإيراني-اللبناني كان على وشك استخدام نفوذه لدفع إيران والمنطقة نحو اتجاه أكثر اعتدالاً قبيل الثورة الإيرانية.

لذلك، فإن جهود جامعة برادفورد لتحديد هوية الصورة كانت محط أنظار كثيرة. الصحفي الذي التقط الصورة قال إن الجثة كانت طويلة على نحو غير معتاد، والصدر كان معروفاً بطوله الذي بلغ 1.98 متر. لكن ملامح الوجه بالكاد كانت واضحة.

السيد موسى الصدر

هل حُلّ اللغز.. رواية الصحافي مو شريف في «بي.بي.سي»

أنا من بلدة اليمونة، في أعالي جبال لبنان، حيث لا يزال الناس يروون قصة شتاء 1968 المروّع حين اجتاح الانهيار الثلجي القرية، وكيف شقّ موسى الصدر الثلوج العميقة ليصل لمساعدة الأهالي.

الطريقة التي تُروى بها القصة اليوم تعكس كيف أصبح شخصية شبه أسطورية. أحدهم قال لي وهو يستذكر طفولته في الرابعة: «كان الأمر أشبه بحلم… كان يسير فوق الثلج، يتبعه جميع الأهالي… تبعته فقط لألمس عباءة الإمام».

في ذلك الوقت، لم يكن الصدر معروفاً كثيراً في قرية معزولة مثل اليمونة، لكنه كان يكتسب سمعة وطنية متزايدة. وبنهاية الستينيات، أصبح شخصية بارزة في لبنان، معروفاً بدعوته إلى الحوار بين الأديان والوحدة الوطنية.

مكانته تجلّت في لقب “الإمام” الذي منحه له أتباعه. وفي عام 1974، أسس “حركة المحرومين”، وهي منظمة اجتماعية وسياسية دعت إلى تمثيل نسبي للشيعة وتحرير الفقراء اقتصادياً واجتماعياً بغض النظر عن دينهم. ولإصراره على رفض الطائفية، ألقى خطباً حتى في الكنائس المسيحية.

في 25 أغسطس 1978، سافر الصدر إلى ليبيا بدعوة من العقيد معمر القذافي.

حينها كان لبنان غارقاً في أتون حرب أهلية اندلعت عام 1975، وشارك الفلسطينيون في النزاع الطائفي من الجنوب اللبناني حيث كان يعيش معظم أتباع الصدر. ولأن الفلسطينيين بدأوا تبادل إطلاق النار مع إسرائيل، أراد الصدر من القذافي أن يتدخل لحماية المدنيين اللبنانيين.

في 31 أغسطس، وبعد ستة أيام من الانتظار للقاء القذافي، شوهد الصدر وهو يُنقل من فندق في طرابلس بسيارة حكومية ليبية.

ومنذ ذلك الحين، لم يُرَ مجدداً.

زعمت أجهزة أمن القذافي لاحقاً أنه غادر إلى روما، لكن التحقيقات أثبتت زيف ذلك.

الصحافة المستقلة كانت مستحيلة في ليبيا القذافي، لكن في عام 2011، ومع انتفاضة الليبيين خلال الربيع العربي، انفتح الباب قليلاً.

قاسم حمادة، صحفي لبناني-سويدي غطى الانتفاضة، سمع عن مشرحة سرية في طرابلس يُحتمل أن تحتوي على رفات الصدر.

رأى هناك 17 جثة محفوظة بالتبريد – إحداها لطفل، والباقي لرجال بالغين. قيل له إن الجثث تعود إلى نحو ثلاثة عقود مضت، وهو ما يتوافق مع زمن اختفاء الصدر. وكانت جثة واحدة فقط تشبه الصدر.

قال لي حمادة: «فتح الموظف الدرج، أظهر الجثة، وأمرين لفتا انتباهي فوراً».

  • أولاً، ملامح الوجه، لون البشرة، الشعر – رغم مرور الزمن – بدت شبيهة بالصدر
  • ثانياً، بدا أن الشخص قد أُعدم
  • بناءً على الجمجمة، بدا أنها تعرضت إما لضربة قوية في الجبهة أو لطلق ناري فوق العين اليسرى

لكن كيف نعرف على وجه اليقين أن هذه الجثة للصدر؟

يقول معدّ التقرير: «أخذنا الصورة التي التقطها حمادة إلى فريق جامعة برادفورد الذي طور على مدى 20 عاماً خوارزمية فريدة تُدعى “التعرف العميق على الوجوه”، قادرة على مقارنة الصور المعقدة بدقة عالية حتى مع الصور غير المثالية».

وافق البروفيسور أُغايِل على مقارنة الصورة مع أربع صور للصدر في مراحل مختلفة من حياته. تعطي البرمجية نتيجة من 100 – كلما ارتفع الرقم، زاد احتمال أن يكون الشخص نفسه أو قريباً مباشراً له.

أقل من 50 يعني أن لا صلة على الأرجح. بين 60 و70 يعني أنه هو أو قريب مباشر. 70 أو أكثر يعني تطابقاً مباشراً.

الصورة حصلت على نتيجة في الستينات – «احتمال مرتفع» أنها للصدر، قال لنا أُغايِل.

اختبر البروفسور أيضاً الصور مع أفراد من عائلة الصدر ومع مئة صورة عشوائية لرجال شرق أوسطيين يشبهونه. وكانت نتائج العائلة أفضل، لكن النتيجة الأقوى بقيت بين صورة المشرحة وصور الصدر حيّاً.

هذا أظهر احتمالاً كبيراً أن حمادة رأى جثة الصدر، وأن الضرر في الجمجمة يوحي أنه قُتل.

تمت مقارنة صورة الجثة في المشرحة بصور عائلة الصدر وصور أخرى لرجال عشوائيين لا علاقة لهم بالصدر (بي.بي.سي)

ويكمل التقرير:

في آذار 2023، بعد أربع سنوات من عثورنا على صورة حمادة، تمكنا من السفر إلى ليبيا بحثاً عن شهود والجثة نفسها. لكننا فوجئنا برد الفعل الليبي.

في اليوم الثاني من عملنا بطرابلس، أثناء بحثنا عن المشرحة السرية قرب مستشفى، تعرّف حمادة على مبنى مؤكداً أنه هو نفسه. صورنا واجهته، لكن حين طلبنا الإذن بالدخول، أُلغي تصريحنا. في اليوم التالي، اعتقلنا رجال تبيّن لاحقاً أنهم من المخابرات الليبية.

اقتيدنا إلى سجن تابع للمخابرات، وُضعنا في حبس انفرادي، وواجهنا تهم تجسس. عُصبَت أعيننا، استُجوبنا مراراً، وأُبلغنا أنه لا أحد سيقدر على إنقاذنا، وأننا سنبقى لعقود.

بعد ستة أيام صعبة، أُطلق سراحنا بضغط من BBC والحكومة البريطانية، ورُحّلنا.

البعض اعتقد منذ البداية أن الصدر قُتل. الدكتور حسين كنعان، أكاديمي لبناني سابق في الولايات المتحدة، قال إنه زار وزارة الخارجية الأميركية في أسبوع اختفاء الصدر عام 1978 وأُبلغ بتقرير يفيد بمقتله.

هذه الرواية دعمها وزير العدل الليبي الأسبق مصطفى عبد الجليل، الذي قال لحمادة عام 2011: «في اليوم الثاني أو الثالث، زوّروا أوراقه إلى إيطاليا. وقتلوه في سجون ليبيا». مضيفاً أن «القذافي صاحب الكلمة الأولى والأخيرة».

لكن لماذا قد يقتل القذافي الصدر؟

نظرية تقول إن القذافي تأثر بمتشددين إيرانيين خافوا من توجه الصدر المعتدل. فقد دعم الصدر ثواراً إيرانيين ضد الشاه، لكنه كان يطرح رؤية معتدلة لا تعجب المتشددين. ويُقال إنه كتب رسالة للشاه قبل اختفائه بأسبوع، عارضاً مساعدته لكبح نفوذ المتشددين.

دبلوماسي لبناني سابق أكد وجود الرسالة، وأن اجتماعاً كان مقرراً للشاه في 7 سبتمبر 1978.

لكن الإيرانيين لم يكونوا وحدهم أصحاب المصلحة. فالقذافي دعم المقاتلين الفلسطينيين ضد إسرائيل من جنوب لبنان، بينما الصدر كان يحاول إقناع منظمة التحرير بتقليل المخاطر على المدنيين اللبنانيين.

إبن الصدر يعلّق.. وماذا فعل مكتب برّي بالشعرة؟

رغم أن كثيرين يعتقدون أن الصدر ميت، هناك من يؤمن ببقائه حياً، بينهم حركة أمل التي أسسها وتحوّلت إلى حزب سياسي بارز بقيادة نبيه بري.

بري لا يزال يقول إنه لا يوجد دليل قاطع على وفاته. لكن في 2011، عندما التقط حمادة الشعر من الجثة لإجراء فحص DNA، سلّمه لمكتب بري. غير أن المكتب لم يتابع الموضوع.

القاضي حسن الشامي قال إن العينة فُقدت بسبب «خطأ تقني».

عندما عرضنا نتائج التعرف على الوجه على صادق الصدر، ابن الإمام، رفض النتائج قائلاً إن شكل الجثة لا يطابق والده.

لكن BBC لم تجد دليلاً يؤيد رواية أن الصدر ما يزال حيّاً. ومع ذلك، يبقى الاعتقاد بحياته قوة توحيدية للشيعة اللبنانيين، ويُحيى ذكرى اختفائه في 31 أغسطس كل عام.

حاولنا مراراً التواصل مع مكتب بري ومع السلطات الليبية للتعليق على تحقيقنا، لكننا لم نتلق أي رد، تختم «بي.بي.سي».

السابق
علي الأمين: قرار حصرية السلاح محطة مفصلية لإعادة الاعتبار للدولة اللبنانية
التالي
مصرف لبنان يحظر تحويل أموال من هيئات خاضعة لعقوبات دولية