اليونيفيل بين مطرقة الانسحاب وسندان الهيمنة: معركة دبلوماسية على جبهة الجنوب

تخوض الدولة اللبنانية معركة دبلوماسية شرسة، بالتعاون مع حلفائها، في سبيل تجديد ولاية قوات “اليونيفيل” في جنوب لبنان. يأتي هذا في ظل تشدد ملحوظ من قبل الولايات المتحدة، التي عبّر وزير خارجيتها، ريبو، عن موقف صريح مفاده أن لبنان لم يعد بحاجة إلى هذه القوات، وأن على الدولة اللبنانية أن تبسط سيادتها الكاملة على أراضيها.

مشروع فرنسي-باكستاني… ومحاولة للتمديد

في هذا السياق، قُدم مشروع قرار مشترك فرنسي-باكستاني إلى مجلس الأمن، يقضي بتمديد مهمة “اليونيفيل” لمدة عام، وسط موقف أميركي واضح يميل إلى تقليص النفقات الخارجية، ومن ضمنها نفقات البعثات الدولية. وتُعد قوات “اليونيفيل” إحدى أوجه هذا العبء الخارجي الذي تسعى الإدارة الأميركية للتخفيف منه، في إطار البرنامج الانتخابي للرئيس ترامب.

سردية إسرائيلية: اتهامات بالتواطؤ مع حزب الله

يتقاطع الموقف الأميركي مع رواية إسرائيلية تسعى لإقناع واشنطن بأن القوات الدولية لم تعد فعالة، بل باتت متواطئة مع حزب الله. وتدّعي إسرائيل أن الحزب أقام مستودعات وأنفاقًا ضمن المناطق التي تسيطر عليها قوات الطوارئ، خصوصًا في القطاع الغربي الذي تتولاه القوة الفرنسية. وتستند إسرائيل إلى اكتشاف ترسانات أسلحة وأنفاق، مطالبة بتقليص عديد القوات ومنعها من تنفيذ مهامها، متهمة إياها بالتساهل مع حزب الله، ما يشكّل تهديدًا للأمن الإسرائيلي.

حزب الله يرد: اليونيفيل تعمل لصالح إسرائيل

في المقابل، يشن حزب الله حملة اتهامات ضد “اليونيفيل”، متهمًا إياها بالتعاون مع إسرائيل عبر تقديم المعلومات الاستخباراتية وتنفيذ المداهمات ضد مواقعه. وقد دفع هذا الاتهام الحزب إلى تحريك ما يُعرف بـ”كتيبة الأهالي”، التي تعترض دوريات “اليونيفيل”، وقد وقعت بالفعل حوادث تطورت إلى أعمال عنف وقتل لجنود دوليين. ويرى الحزب أن انسحاب “اليونيفيل” سيمنحه هامش تحرك أكبر، وسيمكنه من الالتفاف على القرار 1701 وإعادة انتشاره على الحدود.

إسرائيل تسعى لإبقاء الدولة اللبنانية في حالة شلل

ترى إسرائيل في أي تقوية للدولة اللبنانية خطرًا مباشرًا على مصالحها، ولذلك تستمر في الضغط، عبر التهديدات بالاغتيال والضربات العسكرية والتدخلات المباشرة، لمنع الدولة من ممارسة سلطتها على أراضيها، وإبقائها في حالة من الضعف والعجز عن فرض السيادة الوطنية.

من جهة أخرى، يُتهم “حزب الله” بمحاولة إضعاف الدولة أيضًا، من خلال التهديد غير المباشر لعناصر “اليونيفيل”، وتشجيع بعض المدنيين على اعتراضهم، مما يؤدي إلى تراجع الثقة الدولية بدور الحكومة اللبنانية في ضبط الأمن.

المقترح الأميركي: نموذج كوسوفو في الجنوب اللبناني؟

أمام هذا الواقع، تطرح الولايات المتحدة خيارين أمام لبنان: إما تنفيذ وعوده بشأن حصرية السلاح وبسط سلطة الدولة، أو الذهاب نحو تعديل جذري لمهام “اليونيفيل” عبر مجلس الأمن، بحيث يُعاد تشكيلها وتُسلّح بشكل يمكّنها من أداء دور يشبه قوات “كفور” الدولية في كوسوفو، مع إمكانيات للتفتيش والاعتقال وتنفيذ عمليات مداهمة.

ترى إسرائيل في أي تقوية للدولة اللبنانية خطرًا مباشرًا على مصالحها، ولذلك تستمر في الضغط، عبر التهديدات بالاغتيال والضربات العسكرية والتدخلات المباشرة،

تلعب الولايات المتحدة دورًا محوريًا في تمويل “اليونيفيل”، إذ تبلغ ميزانيتها السنوية نحو نصف مليار دولار، تساهم واشنطن بـ27% منها، لتغطية رواتب 10 آلاف جندي وضابط من 46 دولة، بالإضافة إلى الموظفين المدنيين والخدمات اللوجستية ومشاريع الدعم الاقتصادي التي تقدمها القوة للمجتمعات المحلية.

انعكاسات محتملة على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي

إن تأجيل مجلس الأمن لقرار التمديد يثير القلق، خاصة في وقت يحتاج فيه الجنوب اللبناني إلى رعاية أممية شاملة – أمنيًا، وسياسيًا، واقتصاديًا. ويكمن القلق الأكبر في الأثر الاقتصادي والاجتماعي المحتمل في حال انسحاب “اليونيفيل”، حيث أن أكثر من 11 ألف شخص يعملون ضمن هذه البعثة، بمن فيهم لبنانيون يتلقون أجورهم بالدولار، ومئات من أصحاب الأراضي المؤجرة للقوة الدولية الذين يعتمدون على عائداتها السنوية.

يعمل عدد من اللبنانيين كمترجمين في مركز قيادة “اليونيفيل” في الناقورة، وفي الوحدات المنتشرة جنوبًا، بينما يتوزع آخرون في أقسام المحاسبة، الإعلام، الطهي، الصيانة، والخدمات اللوجستية. ويؤدي انسحاب القوة إلى فقدان هذه الوظائف الحيوية، ما يشكّل ضربة قاصمة للاقتصاد المحلي في منطقة جنوبية تعتمد إلى حد كبير على الإنفاق الدولي.

مصير “اليونيفيل” على مفترق طرق

تقف قوات “اليونيفيل” اليوم على مفترق طرق خطير، إذ يُهدد وجودها بجملة من التحديات السياسية، الأمنية، والاقتصادية، في ظل تجاذبات دولية حادة بين واشنطن وتل أبيب من جهة، ولبنان والدول الداعمة للتجديد من جهة أخرى.

أي قرار بعدم التمديد أو تعديل المهام سيعني أكثر من مجرد إعادة انتشار عسكري؛ بل سيترجم إلى تغيرات جذرية في المشهد الجنوبي، وإعادة خلط للأوراق بين الدولة اللبنانية، “حزب الله”، وإسرائيل.

يؤدي انسحاب القوة إلى فقدان هذه الوظائف الحيوية، ما يشكّل ضربة قاصمة للاقتصاد المحلي في منطقة جنوبية تعتمد إلى حد كبير على الإنفاق الدولي.

إن الحفاظ على التوازن الهش في الجنوب اللبناني يتطلب إعادة تقييم موضوعي وشفاف لدور “اليونيفيل”، والابتعاد عن تصفية الحسابات السياسية على حساب الأمن المحلي والإقليمي. فالتخلي عن هذه القوة – من دون بدائل مدروسة – قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التصعيد، تكون فيها المجتمعات المحلية أولى ضحاياه، والدولة اللبنانية أكبر الخاسرين.

اقرا ايضا: براك يرمي الكرة في الملعب الإسرائيلي ويشرّع الباب أمام دور سوري–إيراني

السابق
اليكم أسرار الصحف المحلية الصادرة يوم السبت في 30 آب 2025
التالي
«الأخطر منذ الطوفان».. كمين حي الزيتون يهزّ إسرائيل: قتلى وجرحى ومصير غامض لأربعة جنود