العراق بين الأنسحاب الأميركي وتحديات المرحلة المقبلة

قاعدة عين الاسد

بدأت القوات الأمريكية الانسحاب الفعلي من قاعدة “عين الأسد” في محافظة الأنبار غرب العراق اعتبارا من مساء أمس الخميس، حيث جرى نقل بعض الأفراد والمعدات جوا.وتعد هذه الخطوة الأولى من نوعها في القاعدة التي لم تجر فيها سابقا عمليات نقل أفراد، وإنما اقتصر الأمر على المعدات فقط.

ومن المتوقع أن تكون قاعدة “عين الأسد” خالية تماما من التواجد الأمريكي بحلول مطلع سبتمبر 2025، مع إغلاق القاعدة بشكل نهائي في 15 سبتمبر المقبل، وفق مصادر أمنية عراقية.

ويأتي الانسحاب ضمن اتفاق سابق بين بغداد وواشنطن يهدف إلى إنهاء المهام العسكرية للتحالف الدولي في العراق، وتحويل الشراكة إلى تعاون أمني مدني، على أن تقلص القوات الأمريكية تواجدها تدريجيا ليقتصر التواجد على أقل من 500 عنصر في أربيل، مع نقل القوات المتبقية إلى قواعد أخرى داخل العراق وسوريا.

وتؤكد الحكومة العراقية أن الإنسحاب المرتقب للتحالف الدولي يمثل إنجازاً وطنياً وخطوة نحو إستعادة السيادة الكاملة، في حين ان أصواتاً مؤثرة في البرلمان والأوساط الأمنية تبدي قلقاً عميقاً من تداعيات هذه الخطوة على مستقبل الإستقرار الداخلي والإقليمي.

خطاب السيادة والإنجاز الحكومي

الحكومة العراقية تحرص على تقديم الأنسحاب الأميركي بوصفه ثمرة لجهود سياسية وإصرار واضح من رئيس الوزراء على غلق ملف الوجود الأجنبي و كما أُغلق من قبل ملف بعثة “يونامي”. المتحدث بأسم القائد العام للقوات المسلحة أعتبر أن خروج قوات التحالف “مؤشر على قدرة العراق على التصدي للإرهاب وحفظ الأمن دون الحاجة إلى مساعدة الآخرين”، وهو خطاب يهدف إلى تعزيز الثقة في القرار السياسي العراقي وتأكيد إستقلاليته أمام الرأي العام.

و لكن هذا الخطاب، على أهميته الرمزية والسياسية و لا يلغي حقيقة أن العراق يواجه تحديات أمنية حقيقية و أبرزها إستمرار نشاط بعض الخلايا الإرهابية وتعقيدات الوضع الإقليمي المحيط به و لا سيما في سوريا ولبنان، حيث يشهد المشهد هناك تصعيداً قد يمتد تأثيره إلى الداخل العراقي.

لجنة الأمن والدفاع النيابية حذّرت من أن توقيت الإنسحاب قد لا يكون مناسباً، وأن خطوة كهذه، إن لم تُدار بحذر، قد تترك فراغاً أمنياً خطيراً. عضو اللجنة النائب ياسر إسكندر أشار بوضوح إلى أن غياب الإستقرار الإقليمي يجعل من الأنسحاب خطراً و قد يفتح الباب أمام عودة الجماعات الإرهابية و صعود القوى المسلحة الغير منضبطة.

البرلمان العراقي إذن يقرأ الأنسحاب من زاوية عملية لا رمزية، ويرى أن الأنتقال من مهام قتالية إلى شراكة أستشارية قد يكون تحولاً جذرياً يحمل مخاطر بقدر ما يحمل فرصاً.

الولايات المتحدة الأميركية من جانبها تعلن أن الإنسحاب الحالي لا يعني نهاية دورها في العراق، بل يمثل إعادة تعريف لطبيعة العلاقة الأمنية. المتحدث بأسم السفارة الأميركية أوضح أن التحالف سينتقل من مهام قتالية إلى شراكة “أمنية – مدنية” تركز على التدريب والتخطيط وتطوير القدرات العراقية، مؤكداً أن المهمة ضد تنظيم “داعش” لم تنته بعد.

و عملياً، هذا يعني أن واشنطن لا تنوي التخلي عن العراق، وإنما تغيير شكل وجودها فيه، بما يقلل من الحساسية السياسية ويضمن لها في الوقت نفسه موطئ قدم إستراتيجي في منطقة شديدة الأهمية.

قاعدة عين الأسد

الأنظار تتجه اليوم نحو قاعدة عين الأسد في الأنبار، التي تعد أبرز معاقل الوجود الأميركي. هذه القاعدة، التي تعرضت مراراً لهجمات صاروخية، تمثل أختباراً حقيقياً لالتزام واشنطن بالإنسحاب التقارير تتحدث عن بدء سحب مئات الجنود منها وهو ما يبعث برسالة مزدوجة و الألتزام الشكلي في الأتفاق مع العراق وفي الوقت نفسه الحفاظ على وجود مرن يسمح بإعادة التموضع عند الحاجة.

و بعض المحللين الأستراتيجيين في العراق يشككون في نوايا واشنطن، ويرون أن الحديث عن إنسحاب كامل قد لا يكون أكثر من إعادة تموضع تكتيكي.

الخبير سيف رعد مثلاً، أشار إلى أن القوات الأميركية قد تبقى إلى ما بعد العام 2026، وأن الأنسحاب الحالي و قد يكون مجرد إعادة إنتشار جزئية لا أكثر و هذه القراءة تعكس خشية عميقة من “التحايل السياسي” الأميركي، ومن أن يتحول ملف الأنسحاب إلى ورقة ضغط في أي تفاوض مستقبلي.

العراق اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية، فكيف يمكن ان يحقق مطلب السيادة الوطنية وإنهاء الوجود الأجنبي، من دون أن يفتح الباب أمام فراغ أمني قد تستغله التنظيمات الإرهابية أو تداعيات الأزمات الإقليمية؟
الحكومة تميل إلى إبراز الجانب السيادي، فيما يحذر البرلمان والخبراء من الأنشغال في الرمزية على حساب الأمن الواقعي، أما الولايات المتحدة الأميركية فهي تعيد صياغة حضورها بما يحفظ لها النفوذ ويجنبها كلفة التواجد المباشر.

بداية مرحلة جديدة لا نهاية لمرحلة قديمة

الأنسحاب الأميركي من العراق إذا ما تم بالشكل المعلن لن يكون نهاية لمرحلة الوجود العسكري المباشر فحسب، بل بداية لمرحلة جديدة أكثر تعقيداً وغموضاً. إنها مرحلة الشراكات الأستشارية والوجود الغير المباشر الذي قد يكون أقل وضوحاً لكنه لا يقل تأثيراً.

والعراق في هذا السياق سيبقى في قلب المعادلة الإقليمية شديدة التداخل، تتطلب منه أن يوازن بين ضرورات السيادة الوطنية، ومقتضيات الأمن الداخلي، وضغوط التحالفات الإقليمية والدولية.

اقرا ايضا: المنطقة العازلة في الجنوب تثير المخاوف..وتسليم السلاح الفلسطيني يثير الانقسام

السابق
الجيش الإسرائيلي: مقتل ضابط برتبة ملازم في انفجار عبوة ناسفة تابعة للجيش في حادث عملياتي
التالي
إيران: تفكيك خلية إرهابية في سيستان وبلوشستان كانت تخطط لعمليات خطيرة ومقتل 6 من أفرادها