تمديد اليونيفل على المحك.. البابا يستعد لزيارة لبنان.. وقبلان يفتح النار على بكركي!

لقاء الهوية والسيادة بكركي

لا تخلو الساحة اللبنانية من مفارقات حادة تجعلها أشبه بساحة اختبار دائم. ففي حين شدّدت الأنظار إلى نيويورك حيث يُنتظر أن يحسم مجلس الأمن مسألة التمديد للقوات الدولية العاملة في الجنوب (اليونيفل)، خطف البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي الأضواء بإعلانه أن البابا لاوون الرابع عشر سيزور لبنان قريبًا. هذه الزيارة، في حال تحققت قبل نهاية العام، سوف تحمل رمزية لافتة تتجاوز الطابع الديني إلى السياسي والرسائلي، خصوصًا أنها تأتي في مرحلة إعادة تركيب لموازين القوى الداخلية والخارجية، فيما لبنان يبحث عن تثبيت سيادته وعن شرعية دولية متجددة تعزز حضوره على الخريطة.

زيارة البابا: شهادة للفاتيكان بلبنان الرسالة

إعلان الراعي عن زيارة البابا لم يكن حدثًا بروتوكوليًا عابرًا. ففي بلد أنهكته الأزمات والانقسامات، يحمل حضور رأس الكنيسة الكاثوليكية معنى مضاعفًا: دعم مسيحي مباشر للكيان اللبناني، وإشارة إلى أن الفاتيكان لا يزال يعتبر لبنان “الوطن الرسالة” رغم كل محاولات ضرب نموذج العيش المشترك. المقارنة مع البابا فرنسيس الذي رغب في زيارة لبنان لكنه لم يتمكن بسبب الظروف الأمنية، تجعل من الزيارة المرتقبة مؤشّرًا إلى مرحلة أكثر هدوءًا نسبيًا، أو على الأقل إلى رغبة دولية في تثبيت استقرار لبنان بعد الحروب الأخيرة.

لكن لا يمكن عزل هذا التطور عن الصراع السياسي – الديني الجاري. فالبطريرك الراعي، منذ توليه السدة البطريركية، رفع شعار “الحياد” وحصرية السلاح بيد الدولة، وهو ما جعله عرضة لهجمات متكررة من أوساط “الثنائي الشيعي”. زيارة البابا بهذا المعنى تحمل أيضًا دعمًا معنويًا لهذا الخط السياسي الذي يتمسك بسيادة الدولة.

اليونيفل بين التجديد والانسحاب

في موازاة الخبر الفاتيكاني، يترقب لبنان استحقاقًا مصيريًا في 25 آب: قرار مجلس الأمن بشأن التمديد لليونيفل. المعطيات المتوافرة تشير إلى أن المشروع الفرنسي سيكون المرجّح، أي التمديد لعام واحد فقط على أن تنسحب القوات الدولية تدريجيًا في غضون ستة أشهر. هذا السيناريو يفتح الباب على تحدٍّ وجودي: هل الجيش اللبناني قادر على ملء الفراغ جنوبًا في ظل إمكاناته المحدودة وأزمته المالية؟

الإعلان عن اكتشاف نفق بطول 50 مترًا وذخائر غير منفجرة قرب القصير، يعيد التذكير بأن الجنوب لا يزال مسرحًا متوترًا، وأن مهمة اليونيفل لم تنتهِ. مواقف رئيس مجلس النواب نبيه بري، التي اتهم فيها أطرافًا بمحاولة تقويض وجود هذه القوات، تكشف بدورها حجم الصراع الخفي حول مستقبل الجنوب: بين من يرى في اليونيفل ضمانة للاستقرار، ومن يعتبرها عبئًا أو شاهدًا غير مرغوب فيه على نشاطات “المقاومة”.

السجال الروحي والسياسي: من بكركي إلى الشيخ قبلان

اللافت أن الجدل حول السلاح والسيادة انتقل إلى الساحة الروحية. الشيخ أحمد قبلان، الذي شارك سابقًا في “القمة الروحية” في بكركي مؤكدًا على وحدة الموقف، عاد ليدلي بتصريحات نارية اعتبر فيها أن “لا قيمة للقمة الروحية إذا كانت ضد سلاح المقاومة”، وذهب أبعد من ذلك بالقول إن “من يريد إسرائيل فليرحل إليها”. هذا الموقف بدا أشبه برد مباشر على مقابلة الراعي مع قناة “العربية”، حتى ليُخيّل أن البيان كان معدًا مسبقًا.

خطر هذه التصريحات لا يكمن في مضمونها فحسب، بل في ما تمثّله سياسيًا. فهي تعكس تقاطعًا بين الخطاب الديني وخيارات “الثنائي الشيعي”، وتفتح مواجهة مباشرة مع بكركي، وهو أمر لم يحدث حتى في عزّ الوصاية السورية. ما يشي أن السجال لم يعد حول “حصرية السلاح” فقط، بل حول “حصرية القرار السياسي”، أي من يملك الكلمة الفصل في مستقبل لبنان.

لبنان على مفترق: السيادة بين الداخل والخارج

مجمل المشهد يظهر أن لبنان يقف على مفترق دقيق: زيارة البابا المحتملة تعطيه دعمًا معنويًا خارجيًا ورسالة دولية بضرورة الحفاظ على كيانه، فيما معركة التمديد لليونيفل تمثل اختبارًا لالتزام المجتمع الدولي بأمنه. في المقابل، الصراع الداخلي بين بكركي وبعض المراجع الشيعية يفضح عمق الانقسام حول مفهوم الدولة والسيادة.

الأسابيع المقبلة ستحدد المسار: هل ينجح لبنان في استثمار الزيارة البابوية والتمديد لليونيفل لإعادة ترميم صورته كدولة ذات سيادة ورسالة، أم يتجه إلى مزيد من الانقسام حيث يبقى السلاح خارج سلطة الدولة، ويُختزل القرار السياسي بيد محور بعينه؟

اقرا ايضا: بين الممكن والواقع: هل يستطيع الجيش اللبناني تنفيذ قرار حصر السلاح؟

السابق
عودة «غريبة»: لبنان يُسلّم مواطناً إسرائيلياً عبر الصليب الأحمر بعد مفاوضات سرية!
التالي
إسرائيل تتبنى استهداف عنصر من «قوة رضوان» في دير سريان