أسرى بلا ورقة: حين يُطلق سراح الاسرائيلي ويترك الراعي اللبناني وحيدا

الحدود اللبنانية مع اسرائيل

في جنوب لبنان، لا تحتاج أن تكون مقاوما، لتدخل سجون الاحتلال. يكفي أن تكون راعيا بسيطا يبحث عن مرعى لأغنامه في مزارع شبعا أو كفرشوبا، حتى تقع في قبضة الجيش الإسرائيلي. عشرات الحالات سجلت خلال السنوات الماضية: رجال كبار في السن، شباب، وحتى مراهقون، خطفوا من الأرض اللبنانية واقتيدوا للتحقيق بتهمة “التسلل”. أغلبهم يفرج عنهم بعد أيام، يعودون بصدمة نفسية، وبجراح معنوية لم تلتئم.

لكن القصة لا تنتهي هنا. هؤلاء الرعاة، الذين يفترض أنهم مواطنون لبنانيون محميون بالدولة، يعاملون كمجرد عابري حدود. الدولة تكتفي بالانتظار حتى يقرر الاحتلال الإفراج عنهم. لا صفقات، لا ضغوط، لا حتى معادلة بسيطة: مواطن مقابل مواطن.

المفارقة برزت مؤخرا مع قضية صالح أبو حسين، الإسرائيلي الذي دخل خلسة إلى لبنان. أوقفته الأجهزة الأمنية، ثم سلمته إلى الصليب الأحمر الدولي الذي نقله إلى معبر رأس الناقورة. لم تطلب الدولة مقابله أي شيء، ولم تفاوض حتى على إطلاق سراح رعاة محتجزين في السجون الإسرائيلية.

لماذا لا تعقد صفقات؟

لأن الدولة اللبنانية لا تملك قرار التفاوض مع إسرائيل. هذا الملف محجوز حصرا بيد حزب الله، الذي كان يتعامل مع الأسرى والمفقودين كورقة استراتيجية تستخدم في لحظة سياسية كبرى، وليس كحق يومي لمواطنين بسطاء. لذلك، الراعي الذي يعتقل في شبعا يظل بلا حماية تفاوضية، لأنه ببساطة ليس من حزب الله.

استثناء نادر: صفقة رفيق الحريري

قبل أن يحتكر حزب الله ملف الصفقات، شهد لبنان نموذجاً مختلفا. في عام 1998، نجح رئيس الحكومة آنذاك رفيق الحريري في التوصل إلى تسوية مع إسرائيل بوساطة فرنسية، أفضت إلى الإفراج عن المناضلة سهى بشارة بعد عشر سنوات من الاعتقال في معتقل الخيام.

الصفقة يومها لم تقدم كـ”انتصار مقاومة”، بل كانت ثمرة تحرك سياسي رسمي. وقد أظهرت أن الدولة، لو أرادت وامتلكت الغطاء الدولي، يمكنها أن تحقق مكاسب إنسانية لمواطنيها.

صفقات الحزب الكبرى

بعدها، بات الملف حكرا على حزب الله:

2004 (صفقة تننباوم): الحزب سلم رفات ثلاثة جنود إسرائيليين ورجل أعمال مقابل 400 أسير فلسطيني ولبناني.

2008 (صفقة سمير القنطار): الحزب استعاد سمير القنطار وأربعة أسرى لبنانيين ورفات 199 شهيدا مقابل جثتي جنديين إسرائيليين.

في تلك الصفقات، أظهر الحزب أنه قادر على استخدام أوراقه إلى الحد الأقصى. لكن اللافت أن المدنيين – مثل الرعاة – لم يدخلوا أبدا في حسابات التبادل.

مدنيون خارج الحسابات

بينما تدار المعارك الكبرى على طاولة الصفقات، يبقى المواطن اللبناني العادي بلا ظهر. إسرائيل تعتقله وتستخدمه كورقة ضغط أو رسالة سياسية. الحزب لا يعتبره ورقة، والدولة لا تملك القدرة ولا الجرأة لطرح معادلة “مدني مقابل مدني”.

من صفقة سهى بشارة إلى صفقات حزب الله الكبرى، اختلفت الجهات الراعية وتغيرت الأوراق، لكن النتيجة بقيت واحدة: المواطن العادي خارج المعادلة. الراعي الجنوبي الذي يخطف من أرضه ليس في حسابات الدولة ولا في حسابات المقاومة.

اقرا ايضا: بدء تنفيذ خطة تسليم السلاح الفلسطيني..الجيش يدخل مخيم برج البراجنة

السابق
الجيش اللبناني يحرر طفلة أقدمت عصابة على خطفها في خلدة
التالي
أسرار الصحف المحلية الصادرة يوم الجمعة في 22 آب 2025