بينما تشتعل جبهات الإقليم في حرب مفتوحة بين إيران وإسرائيل، يعود شبح الحروب مجددًا ليخيّم فوق الجنوب اللبناني، حاملاً معه ذاكرة الخراب والنزوح التي ما زالت حية وحاضرة، وأصوات القذائف التي يعرفها اللبنانيون عن ظهر قلب. غير أن هذه الحرب – رغم أنها تبدو بعيدة – تدق أبواب الوطن بشكل لم يعد خفيًا، لا سيما في ظل محاولات مستمرة لجر لبنان إلى موقع المتراس من جديد، بينما الشعب يئنّ تحت ثقل الانهيار الاقتصادي، والتفتت الاجتماعي، وانعدام الثقة بأي قدرة رسمية على المواجهة أو التعافي.
المشهد اليوم يشي بأن لبنان قد يدفع الثمن الأغلى في صراع لا قرار له فيه. فكما في كل مرة، يتم تغييب الدولة، وتُستبدل بقرار منفرد تتخذه مجموعة تتحرك بدون تفويض جماعي هي حزب الله، وتقدّم نفسها وكيلاً عن اللبنانيين دون تفويض شعبي أو دستوري. غير أن ذلك الدور يبدو منسجماً بشكل كبير مع أجندة إقليمية أوسع، في تباين واضح مع أولويات الشعب اللبناني ومصالحه الحيوية.
خطر تصفية الحسابات
ويرى مراقبون أن من أخطر ما يواجهه لبنان اليوم هو أن يُختزل في دور ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية بين إيران وإسرائيل، حيث يلعب حزب الله دور المنفّذ للقرار الإيراني. ويؤكد المراقبون أن التفويض الممنوح لقوى الأمر الواقع لا يمكن أن يحل محل الإرادة الوطنية الجامعة، ولا أن يُستخدم لجر مجتمعاتنا وعائلاتنا إلى دوامات مستمرة من الخسارة والدمار.
إن الحديث عن “واجب الدعم” و”الالتحام بالجبهة” لا يمكن أن يكون مبررًا كافيًا لتعريض لبنان للخراب من جديد، خاصة أن تجارب الماضي أثبتت بما لا يدع مجالًا للشك أن لبنان دائمًا ما كان الخاسر الأكبر في حروب الآخرين.
اليوم، يعيش أكثر من 100 ألف لبناني في الجنوب مهددين بالنزوح في كل لحظة. الحياة متوقفة، الزراعة جفّت، والبيوت مهددة بالقذائف. فهل يجوز في ظل هذا الواقع أن يتم الزجّ بلبنان إلى أتون حرب قد تطال مطار بيروت، ومرافئ البلاد، وطرقاتها الحيوية، في حين أن إيران، الداعم الرئيسي لحزب الله، لا تُبدي أي استعداد لتحمل تبعات تلك المواجهة على اللبنانيين؟
الردود العسكرية الإيرانية على إسرائيل، كانت تُبنى من داخل أراضٍ لا تخصها مباشرة، بل من منصات خارجية، أبرزها لبنان. لكن لبنان ليس ساحة. لبنان وطن، له ناسه، وتاريخه، ودولته، التي رغم ضعفها، تبقى الأمل الوحيد لحفظ هذا الشعب.

