الموتوسيكل في زمن الهزائم استعراض العضلات وإرسال الرسائل

حركة امل وحزب الله

وقع انفجار في مستودع أسلحة في جنوب لبنان، وقُتل ستة من خبراء الجيش اللبناني وأُصيب آخرون، ما زالت التحقيقات جارية للكشف عن الأسباب الدقيقة للانفجار .
وافقت الحكومة على أهداف خطة الولايات المتحدة في أربع مراحل، تتضمن نزع سلاح حزب الله بحلول نهاية 2025، مقابل انسحاب إسرائيلي تدريجي من الجنوب، مع تمويل دولي لإعادة إعمار لبنان. رفض حزب الله الخطة، وانسحب صوزراء الثنائي من جلسات وزارية كرد فعل .

تفاقم التوتر الداخلي:
فالانفجار في مستودع الأسلحة يُظهر بقاء السلاح في جنوب الليطاني، وهشاشة الوضع الأمني، وعدم قدرة أجهزة الدولة على فرض سيطرتها التامة على الترسانة العسكرية. في وقت تعكس الخطة الأميركية ضغوطاً خارجية كبيرة تسعى إلى فرض الدولة كمصدر وحيد للسلاح، يقابله رفض حزب الله ذلك، ما يخلق استقطاباً جديداً.

الغارات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية تضع البلاد تحت ضغط إضافي، وتحول دون الاستقرار.

الفوضى المنظمة

وفق تقارير حديثة، وصلت الدراجات النارية المسجلة إلى 289,000 حتى عام 2022، لكن هذا لا يشكّل سوى حوالي 20% فقط من العدد الفعلي المنتشر على الطرق، والذي يُقدّر بـ نحو 1.5 مليون دراجة .

تعجز الدولة عن ضبط الوضع، لأن محاولاتها تعتبر من البعض ضرباً لسبل عيش الفقراء والعمال الذين يعتمدون على هذه الوسيلة . الموتوسيكلات لم تعد مجرّد وسيلة نقل، بل شريان حياة للفقراء والعاملين في توصيل الطلبات “الديليفري”. ومع انهيار النقل العام وارتفاع كلفة السيارات، أصبحت ضرورة وليس مزحة .

لكنها تشكل خطراً يومياً — من احتلال الأرصفة، مرور عشوائي وسط السيارات أو المشاة، عمليات سرقة ونشل، إلى حوادث وتشويه للأمن المديني.

تم تحويل هذه الدراجات مؤخراً من قبل حزب الله إلى وسيلة للتعبير السياسي أو الاستفزاز والتهديد الأمني؛ فيحمل المشاركون في مسيرات الدراجات أعلاماً حزبية في أحياء حساسة. هذا ما دفع الجيش لاعتقال وملاحقة البعض، حماية للسلم الأهلي .

“ظاهرة الموتوسيكلات في لبنان تعبّر عن أزمة مركّبة: هي نتيجة طبيعيّة لانهيار البنى الاقتصادية والخدماتية، وضرورية بالنسبة للفقراء الذين لا يجدون بديلاً. لكنها في الوقت ذاته تحوّلت إلى أداة فوضى وسلوك غير آمن، تنتهز انعدام التنظيم وفقدان القانون.

الحزب: من الحذاء المقدّس إلى الموتوسيكل كسلاح لحماية السلاح

في مجتمعات الأزمات، تتحوّل الرموز البسيطة إلى شواهد ضخمة على ما يعتمل في الوجدان العام. ليست هذه الرموز دائماً من صنع المخيلة الشعبية، بل غالباً ما تُغذّيها السلطة أو القوى المهيمنة، فتُصبح علامات ولاء تتجاوز الشخص لتصبح رموزاً هوياتية.

قبل أعوام، ساد تعبير “فدا صرماية السيد”. كان المشهد واضحاً: الولاء لم يعد يكتفي بتقديس القائد أو أفكاره، بل امتد إلى حذائه. هذه الظاهرة ليست مجرد نكتة أو زلة لسان، بل هي تكثيف لثقافة الإذعان، حيث يصبح حتى حذاء الشخص رمزاً أرفع من الوطن والمواطن نفسه.

واليوم، في نسخة 2025 من المسرحية اللبنانية، يظهر بطل جديد: الموتوسيكل المزهوّ بنفسه والذي حلّ محلّ السلاح في بعض ملصقات الحزب.

الموتوسيكل كمرافق لشعار المقاومة. في الظاهر، هو وسيلة نقل. في العمق، هو إعلان هوية وانتماء

اليوم، ونحن نعيش في لبنان انهياراً سياسياً واقتصادياً، يظهر لنا هذا الرمز الجديد: الموتوسيكل كمرافق لشعار المقاومة. في الظاهر، هو وسيلة نقل. في العمق، هو إعلان هوية وانتماء، وتجديد بيعة في الشارع.

مثّل الحذاء المقدس في زمن الانتصارات الخضوع والولاء. يمثّل الموتوسيكل في زمن الهزائم استعراض العضلات وإرسال الرسائل. الاثنان يرسلان الرسالة نفسها: الولاء هنا ليس فكرة أو التزاماً سياسياً عقلانياً، بل انصهار في هوية جمعية منغلقة.

هذه الرموز، سواء كانت حذاءً أو دراجة نارية، لا تنشأ من فراغ. إنها وليدة مناخ يعلي من شأن الزعيم أو الجماعة إلى مرتبة المقدّس، ويهمّش الفرد إلى حدّ التشييء. في المقابل، يتغذّى الرمز على الأزمات: الفقر، العجز، العزلة. حين يغيب المشروع الوطني الجامع، تملأ الرموز الفارغة الفراغ، ويغيب المنطق والحوار.

وما يزيد من خطورة هذه الظاهرة، أنها تُنتج ذاكرة بصرية جديدة للأجيال. فكما ارتبطت صورة الحذاء المرفوع أو المحتضن بمراحل من الاستقواء والشعور بالتفوق، فإن صورة الموتوسيكل المزهوّ بلون الجماعة قد تصبح لاحقاً رمزاً لفترة من الانقسام الداخلي وعرض العضلات في زمن الانهيار.

الرمز، إذاً، ليس بريئاً. الحذاء أو الدراجة ليسا مجرد اداتين جامدتين، بل تحملان معانٍ سياسية ونفسية. في مجتمعنا، كثيراً ما تُختزل القيم الكبرى – حرية، كرامة، مواطنة – في أشياء، ثم تُختزل الأشياء في طقوس، والطقوس في استعراضات، حتى تصبح السياسة فعل تزيين أو تقبيل أو تهليل.

التحدي اليوم هو كسر هذه السلسلة. أن نستعيد المعنى من الرمز، لا أن نبقى أسرى الرمز حتى نفقد المعنى. أن نسأل، بدل أن نصفّق. أن نرى في الحذاء حذاءً، وفي الموتوسيكل وسيلة نقل، لا آلهة صغيرة تُعبد على الطرقات.

السابق
الإمارات تعزّي لبنان بضحايا انفجار منشأة الجيش في صور
التالي
الدفاع المدني يطالب بالتزام الإرشادات للوقاية من موجة الحر.. للتواصل على الرقم 125 للتبليغ عن أي طارئ