إن تجويع الأطفال في غزة ليس مجرد وسيلة عقاب جماعي، بل سلاح مدروس لتدمير مستقبل شعب بأكمله.
انها خطة إبادة بطيئة لمستقبل الفلسطينيين.
لم يعد خافياً على أحد أن إسرائيل تستخدم سياسة التجويع كسلاح حرب. لكن الأخطر من ذلك هو أن هذه الاستراتيجية، التي تبدو في ظاهرها ردّ فعل على أحداث السابع من أكتوبر، تحمل في باطنها مشروعاً أعمق وأخطر: تدمير المستقبل الفلسطيني عبر ضرب الأسس البيولوجية والنفسية لنمو الأجيال الجديدة.
مخاطر صحية جسيمة
حين يُحرم الأجنة، والأطفال من الغذاء في السنوات الأولى من حياتهم، لا يتأذى جسدهم فقط. ما يتعرض للضرر أيضاً، كما تشير الدراسات حول الدماغ ان ذلك قد يصبح ضرراً لا يمكن إصلاحه. يتأخر نمو الدماغ ويضمر، وتتضرر قدراتهم الإدراكية، ونضجهم العاطفي والنفسي.
فوفق ما تؤكده دراسات علمية دولية، اليونيسف، جامعات مثل هارفرد وكامبريدج، فإن سوء التغذية المزمن في الطفولة المبكرة يضعف التطور العصبي، يقلل من معدل الذكاء، ويؤدي إلى مشكلات سلوكية وتعليمية طويلة الأمد.
بحسب إحصاءات وتقارير الأمم المتحدة: أكثر من 50% من أطفال غزة يعانون من سوء تغذية حاد حسب.
حوالي ـ9 من كل 10 أطفال في غزة (من 6–23 شهراً) يعيشون في فقر غذائي حاد، يتناولون يومياً مجموعة غذائية واحدة أو اثنتين فقط .
في شمال غزة، ارتفع معدل التقزم الحاد للأطفال دون السنتين إلى 31% في فبراير 2024، مقارنة بــ15.6% في يناير.
في **مايو 2025، فقط للأطفال بين 6 أشهر و5 سنوات، تم إدخال 5,119 حالة جديدة للعلاج من سوء التغذية الحاد، بزيادة 50% مقارنة بأبريل، و150% مقارنة بفبراير، يشمل منها 636 حالة شديدة .
وفق UNRWA، طفل واحد من كل عشرة أطفال دون الخامسة الذين تم فحصهم يعاني من سوء التغذية الحاد، نسبة كانت نادرة قبل الحرب .
470,000 شخص يواجهون جوعاً كارثيا (Phase 5)، من بينهم 71,000 طفل يحتاجون علاجاً عاجلاً من سوء التغذية و17,000 أماً.
في يوليو 2025، أكدت تقارير الأمم المتحدة أن 147 شخصاً، منهم 88 طفلاً، ماتوا بسبب الجوع، في ظل استمرار الحصار وعرقلة تسليم المساعدات.
القضاء على جيل كامل
ما يُزرع اليوم من حرمان في غزة، سيثمر لاحقاً جيلًا كاملاً يعاني من:
ضعف في القدرات المعرفية
ارتفاع في نسب الإعاقة الذهنية والنفسية
صعوبات في التعلّم والتركيز والتفاعل الاجتماعي
اعتماد أكبر على المساعدات والخدمات الخاصة
وبينما تُصور إسرائيل للعالم أن ما يجري هو حرب على “الإرهاب”، فإن الواقع يكشف عن خطة أكثر دهاء: خنق القدرة الفلسطينية على النهوض مجدداً، ليس فقط عبر تدمير العمران والمستشفيات والمدارس، بل عبر تقويض الطفل الفلسطيني نفسه. فالجسد الجائع اليوم هو المواطن المعاق غداً.
ليس صدفة أن تمنع إسرائيل إدخال الحليب والأدوية والمكملات الغذائية الأساسية. إنها تعرف جيداً – كما نعرف – أن الطفل الذي لا يأكل اليوم لن يقرأ غداً، ولن ينتج، ولن يقود، ولن يقاوم.
هكذا، يتحول التجويع من عقوبة جماعية إلى سلاح إبادة مستقبلية بطيئة.
ان صمت وتواطؤ المجتمع الدولي، يمنح الشرعية لهذه الجريمة غير المعلنة:
اغتيال المستقبل الفلسطيني، طفلاً طفلاً، دماغاً دماغاً.

