خرج جورج عبدالله من السجن الفرنسي إلى السجن اللبناني برتبة مناضل غيفاري، ومنح على السريع رتبة مجاهد مقاوم، وقد منحه السجنان، وكلا الرتبتين، شهادة حسن سلوك يساري وإسلاموي في مرحلة ماتت فيها ثورات التحرر العربي من السجون الإسرائيلية.
المناضل في زمن النسيان
ربما باستطاعة آخر المناضلين الثوريين صرف عمره الباقي في جوقات احتفالية، وسرعان ما يتناسى المدّاحون استقبالاتهم لبطل من أبطال الزمن الجميل، ويبقى وحيدًا في ذاكرة رصاصة صدئة.
خروج جورج من باب التاريخ الوطني، كان قد قابله خروج زياد الرحباني من سجن الحياة، بين الخروجين مقاربة بين نموذجين يساريين معطوفين على تجربتين مختلفتين في كل شيء.
اعتنق العنف الثوري، فعاش جورج قضية منسية بين قضبان السياسة لأربعة أجيال، بات التذكير به محط مواقف معينة، أتاحت فرصة لحرية مقيّدة، خدمة لسياسة مستجدة في لبنان ترعاها فرنسا.
بعض الجمهور زائف، لا علاقة له بصاحب المناسبة، والبعض الآخر صيّاد يبحث عن فريسة، في زمن قلّت فيه الفرائس.. وحدها العائلة صادقة في فرحتها.
لقد أحدث حدثًا دفع ثمنه وحده دون غيره، ولم يدخل معه أحد من المثرثرين اليساريين العاشقين للعنف الثوري في زنزانته التاريخية.
زياد الرحباني وفنّ الثورة
اعتنق زياد الفن اليساري فأسر ولم يُؤسر، وانتشر أكثر مما تتيحه الثورة الناجحة من انتشار.. وحده مع أصدقاء مسرح، وأدوات غنائية وموسيقية، تمكن من بلوغ الحس الوطني على حساب المزاج الأيديولوجي الغارق في الدماء تحسينًا لشروط الحياة في الموت، واعتمادًا للقتل في الوصول إلى السلطة.
قد يقول أحدهم إنهما تساويا في النتيجة، من خلال استقبال الأول في منفى الوطن، واستقبال الثاني في منفى الآخرة.. أي بين بداية دور ونهاية دور، وربما يُقال إن تاريخ الأشخاص ينتهي بنهاية أدوارهم.
ربما الصورة الحزينة تغلب فرح الصور، وربما العنف ضحالة حزبية.. في المشهد أكثر من لازمة تستدعي البحث عن الهويات الضائعة وسط ركام من الحجر والبشر، وعلى امتداد مجتمعات تستعدي الفن في مدلوله المعرفي، باعتباره آلة فسوق ومجون، وتستهدي بالعنف القهري باعتباره بابًا من أبواب الجنة فتحه الله لخاصة أوليائه.
كان بودّ جورج أن يمشي إلى غزة، ليكمل رحلة سجنه، أو فترة سجنه، وكان بودّ زياد أن يعود من غزة، ليكمل رحلة لحنه، أو فترة حبسه لصوت القدس في حنجرة الموتى.
بين مشي ومشي، خطوات خارج الزمن.. مساحة متصلة بناس جاؤوا مهنئين ومعزين بحثًا عن حياتهم في موتاهم..
ما أكثر ضجيج الموتى في توابيت الأحياء!
اقرأ ايضا: وداع حاشد لزياد الرحباني في بيروت..

