نزع السلاح أو العزلة: ضغوط جديدة وأيلول أسود ينتظر لبنان؟

الورقة الاميركية

وسط تصاعد التوتر الإقليمي وعودة القلق الدولي من تعقيدات الوضع اللبناني، أثارت زيارة الموفد الأميركي توم براك إلى بيروت، وما تلاها من تحركات ديبلوماسية في باريس، موجة جديدة من التساؤلات حول مصير سلاح “حزب الله”، ومستقبل الاستقرار في الجنوب، في ظل مؤشرات متزايدة على تراجع الثقة الدولية بالدولة اللبنانية ومؤسساتها.

زيارة براك وتداعياتها

الزيارة التي أجراها براك إلى بيروت قبل أيام، جاءت في سياق محاولات متجددة لحلحلة ملف نزع سلاح “حزب الله” والتأكيد على حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية.

إلا أن الموفد الأميركي خرج من بيروت بنتائج توصف بالسلبية، بحسب ما نقله لاحقًا للمسؤولين الفرنسيين، مشيرًا إلى أن السلطات اللبنانية “لا تبدي أي تقدم فعلي” في هذا الملف الحساس.

إقرأ أيضا: المخيمات السرية والخلايا النائمة.. هل يعود شبح التفجيرات إلى لبنان مجددا؟

وفي إطار جولته، عقد براك اجتماعات في باريس مع وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، الذي حذّر بدوره من أن التباطؤ في معالجة هذا الملف قد يفتح الباب أمام عودة إسرائيل إلى التصعيد العسكري في الجنوب، على غرار ما كان يحدث قبل مطلع العام الجاري.

الموقف الفرنسي والسعودي: حذر وتلويح بالعزلة

وعلى الرغم من الأجواء الإيجابية التي حاول الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إظهارها خلال استقباله لرئيس الحكومة نواف سلام في باريس، فإن الموقف الفرنسي اتسم بالحذر إزاء ملفات الإصلاحات الاقتصادية، ترسيم الحدود، ومستقبل مهمة اليونيفيل في الجنوب، والتي يُقال إن الولايات المتحدة تسعى لتعديلها كمًّا ونوعًا.

من جهته، عبّر وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان خلال اجتماعه ببارو في باريس، عن “استياء سعودي بالغ” من الأداء اللبناني، قائلاً بصراحة إن “السعودية لن تساعد لبنان إذا لم تتحمّل الدولة مسؤولياتها في إدارة الأمن والسلاح”.

موقف أميركي ثابت وتحذيرات صارمة

وفي تغريدة لافتة أعقبت جولته، جدّد براك التأكيد على الموقف الأميركي بأن “سلاح حزب الله هو شأن داخلي يجب أن تحسمه الدولة اللبنانية”، مشددًا على أن “الولايات المتحدة لن تدعم لبنان ما لم تُفرض حصرية السلاح بيد القوات المسلحة اللبنانية، باعتبارها الجهة الشرعية الوحيدة وفق الدستور”.

وذكّر براك بتصريحات رسمية أميركية سابقة تؤكد أن “حزب الله منظمة إرهابية بجناحيه السياسي والعسكري”، مقابل الاعتراف الكامل بشرعية الجيش اللبناني كركيزة للاستقرار.

تحركات إيرانية ومخاوف من التأثير على القرار اللبناني

بالتزامن، كشفت تقارير إعلامية عن تحركات مباشرة للسفير الإيراني في بيروت، عبر اجتماعات متكررة مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، هدفت إلى “تنسيق المواقف الإيرانية” مع الحلفاء اللبنانيين، والضغط على الدولة اللبنانية للتراجع عن أي التزام بمطالب واشنطن بشأن نزع سلاح “حزب الله”.

إقرأ أيضا: بري التقى السفير الإيراني في بيروت قبل وبعد زيارة براك.. وهذا ما حصل؟

وبحسب التقارير، فإن هذه التحركات جاءت “للتأثير على الرد اللبناني على الورقة الأميركية”، وهو ما يعتبره مراقبون تدخلاً في شؤون لبنان السيادية.

عون: لا أحد يريد الحرب.. وهناك تقدم بطيء

من جانبه، علّق رئيس الجمهورية العماد جوزف عون على هذه التطورات خلال مؤتمر صحافي في نادي الصحافة، مشددًا على أن “لبنان يطالب إسرائيل بالالتزام بوقف إطلاق النار والانسحاب من التلال الخمس”، ومؤكدًا أنه “لا أحد يريد الحرب ولا أحد قادر على تحمل تداعياتها”.

عون أوضح أن الاتصالات مستمرة مع “حزب الله” لمعالجة ملف السلاح، وأن هناك تجاوبًا من الطرف الآخر، وإن كان التقدم بطيئًا. كما نفى وجود لجنة أمنية رسمية بين الجيش والحزب، مشددًا على أن “الجيش منتشر في معظم الأراضي اللبنانية، باستثناء المناطق التي لا تزال تحتلها إسرائيل في الجنوب”.

وردًا على دعوات داخلية للتسلّح، اعتبر عون أن “هذه الدعوات تمسّ بثقة المواطنين بالمؤسسة العسكرية”، داعيًا الجميع إلى التروي والتحقق من المعلومات قبل نشرها أو الانجرار خلف الشائعات.

حزب الله يرد: غير معنيين بالورقة الأميركية

في المقابل، ردّ “حزب الله” عبر النائب إيهاب حمادة، مؤكدًا أن الحزب “غير معني بالورقة الأميركية”، وأن موقفه يرتكز على تنفيذ القرار 1701 بالكامل، بدءًا بانسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة.

وشدد حمادة على أن الرئيس نبيه بري يمثّل موقف “حزب الله” السياسي والدبلوماسي، واصفًا ما طرحه رئيس الجمهورية بأنه “واضح ويمثل الحقوق اللبنانية”، رافضًا أي مقترحات أميركية تتجاوز هذه الثوابت.

وفي الوقت نفسه، قال عضو مجلسه السياسي الوزير السابق محمود قماطي: “لن ننخدع بشعار حصرية السلاح الذي لا يعني المقاومة التي تدافع عن لبنان مع الجيش اللبناني”، مضيفًا “أن حصرية السلاح، هي لحماية الأمن الداخلي اللبناني من السلاح المتفلت”.

الصورة ضبابية والاجواء قاتمة

وسط هذه الهوة التي تفصل بين الموقف الرسمي وموقف “الحزب”، أشارت مصادر رسمية متابعة لورقة التفاوض لـ “نداء الوطن” إلى أن الصورة ما تزال ضبابية وحتى قاتمة والأجواء الأولية التي تأتي من واشنطن تلمح إلى أن رد تل أبيب سيكون سلبيًا، فهي لن تقبل بالانسحاب من التلال الخمس وتسليم الأسرى والسير بخطوة مقابل خطوة، ولن توقف الغارات والاستهدافات، بل تضع شرطًا وحيدًا وهو تسليم “حزب الله” سلاحه فقط من ثم يتم البحث بالخطوات اللاحقة.

وتوضح المصادر، أن لبنان عالق بين تشدد إسرائيل واستمرارها بتنفيذ أجندتها وبين إصرار “حزب الله” على الضمانات، وبالتالي لن يحصل أي تقدم، لافتة إلى أن الرد الأميركي على الملاحظات اللبنانية لن يتأخر، لكن لبنان ينتظر وصوله ليبني على الشيء مقتضاه مع أن روحية الرد باتت معروفة.

ومن جهة ثانية، علمت “نداء الوطن” أنه كلما زاد منسوب التواصل بين الدولة و”حزب الله” وخصوصًا عبر قناة الرئيس نبيه بري كلما زاد تشدد “الحزب”، وبالتالي لم يحدث أي تغيير في موقفه ما يدل على أن الأمور تزداد تعقيدًا.

إقرأ أيضا: لبنان في دائرة الخطر: سلاح الحزب «القرض الحسن» واليونيفيل… ثلاث قنابل موقوتة

كما نقلت “نداء الوطن عن اوساط دبلوماسية أن الحديث عن زيارة جديدة لبرّاك هو “تمديد للآمال الفارغة”. وقالت: “الصورة باتت واضحة بعد فشل وساطة برّاك، ومن أفشل هذه الوساطة عليه أن يتحمل المسؤولية”.

وأشارت الأوساط إلى أن جواب “حزب الله” انكشف خلال محادثات الموفد الأميركي مع الرئيس بري الذي طالب باسم “الحزب” بضمانات فرد عليه برّاك أنه لا يمكنه تقديم مثل هذه الضمانات. وقالت: “إن موضوع الضمانات هو الذريعة الإضافية الجديدة بعد أحداث سوريا كي لا يقوم “الحزب” بتسليم سلاحه والذي يجب أن يسلّم بمعزل عن أي ذريعة، علمًا أن براك كان واضحًا عندما صرّح بأنه وسيط وأن إسرائيل تريد نزع سلاح “الحزب” فإذا كانت الدولة لا تريد القيام بهذه المهمة فلتتحملوا المسؤولية”.

هل تنسحب واشنطن من الوساطة؟

وأعربت الأوساط عن خشيتها من أن واشنطن قد نفضت يدها من الوساطة، فأصبح الوضع متروكًا لإسرائيل”. وتساءلت: “هل سنكون أمام أيلول أسود وجولة جديدة من العنف قبل هذا الشهر أو بعده؟ أضافت: “من الواضح من ورقة برّاك أن هناك تشددًا إسرائيليًا، وهو قال ذلك من خلال أن إسرائيل لا تريد أن تبقى لـ “حزب الله” أي بنى عسكرية في لبنان”. وتابعت: “إن مطلب نزع سلاح “الحزب” في واقع الحال ليس مطلبًا إسرائيليًا بل هو مطلب لبناني، وأن من يريد ضمانات هو الشعب اللبناني من “الحزب” الذي انتهك السيادة واستجر الحروب وأوصل لبنان إلى ما وصل إليه وبالتالي فإن مطالبة “الحزب” بضمانات في غير محلها”.

وأكدت الأوساط أن لا مناص من أن تقوم الدولة بمسؤولياتها بتفكيك البنى العسكرية لـ “حزب الله” كي تصبح مسؤولية الأمن في لبنان ملقاة على عاتق الجيش اللبناني، فينتشر على الحدود الجنوبية والشرقية والشمالية وعند ذاك إذا ما قامت إسرائيل بأي فعل في لبنان تصبح إسرائيل في مواجهة الدولة اللبنانية بينما هي اليوم في مواجهة مع الحزب”.

وأكدت الأوساط الدبلوماسية أن الصورة قاتمة والدولة لا تريد الاصطدام بـ “حزب الله” وكأنها في مكان تتوقع هجومًا إسرائيليًا مجددًا على “الحزب” . وإذا ما حضر توم برّاك مجددًا إلى لبنان فستكون زيارته استطلاعية وعلاقات عامة”.

وفي موازاة ذلك، قال سفير اوروبي رداً على سؤال لـ”الجمهورية” أن “لبنان في وضع حساس جداً، وعلى كل الاطراف فيه أن يتشاركوا في وضع الحصان امام عربة الحل وليس خلفها”.

واكّد السفير “انّ التطورات الإقليمية والدولية تتسارع بوتيرة عالية جداً، والتأثيرات تبدو شاملة كل دول المنطقة، ومن هنا فإنّ الوقت ثمين جداً، خصوصاً امام لبنان الذي توجب مقتضيات أمنه واستقراره الاستفادة من هذا الوقت، والسير بما هو مطروح من حلول”.

ورداً على سؤال آخر، أشاد السفير الأوروبي بـ”التعاطي المسؤول لدى المستويات الرسمية والسياسية والأمنية في لبنان، حيال ما أُثير من إشكالات بعد أحداث السويداء، ومنع إشعال فتيل العنف الطائفي بأبعاد كارثية”.

الّا انّ السفير عينه اكّد انّ الخطر على لبنان ليس من داخله فقط، وقال: “اخشى من مخاطر وخطوات قد تلجأ اليها إسرائيل ضدّ لبنان”.

إلى ذلك، وربطاً بالخطر الإسرائيلي، فقد كثفت إسرائيل من اعتداءاتها على المناطق اللبنانية، ما ادّى إلى سقوط شهداء وجرحى في برعشيت، بالتوازي مع استمرار التحليق التجسسي في الأجواء اللبنانية، ولاسيما فوق الضاحية الجنوبية لبيروت.

وبين التشدد الأميركي، والتحذيرات الفرنسية، والاستياء السعودي، يجد لبنان نفسه مجددًا في مهب الضغوط الدولية، في وقت تتشابك فيه حسابات الداخل والإقليم وتتعقّد مساعي التهدئة. فهل تنجح الوساطة الدولية في فرض تسوية واقعية، أم يكون الجنوب ساحة الانفجار المقبل؟

السابق
أسرار الصحف المحلية الصادرة اليوم السبت 26 تموز 2025
التالي
بالفيديو: كارثة صباحية في طرابلس.. وفاة طفلين توأم جراء حريق داخل إحدى الشقق السكنية