حديث الأكثرية و«الأقليات»!

ياسين شبلي

بعد أكثر من قرن على إتفاقية سايكس – بيكو التي قسَّمت المنطقة بعد الحرب العالمية الأولى وإنهيار الإمبراطورية العثمانية بين كل من فرنسا وبريطانيا ، وفي الوقت الذي بات الحديث فيه اليوم عن ترتيبات جديدة للمنطقة ، لا يزال بعض العرب في المشرق ” يرفض ” هذه الإتفاقية و ” يناضل ” من أجل إلغاء مفاعيلها ، مدفوعاً ب ” الفكر القومي ” الذي تأسس بدايةً على يد مجموعة من المفكرين العرب في مواجهة حملة التتريك والظلم الذي تعرض له المكوِّن العربي بكل طوائفه في الدولة العثمانية ، والمثير والغريب في الأمر أنه وبعد قرن من الزمان ورغم كم التضحيات التي إستهلكها ” النضال ” ، لا تزال المنطقة تتحدث بلغة ” الأكثرية والأقلية ” سواءً كانت طائفية أو مذهبية أو عرقية ، أكثر مما كانت مع بداية تطبيق سايكس – بيكو ما يُمثِّل فشلاً ذريعاً – بنظر البعض – لكل هذه النضال والفكر ، فما هو السبب يا تُرى ؟

جاءت فكرة القومية العربية في ذلك الحين لتلبي حاجة العرب للتوحد حول فكرة واحدة تضم كل أطياف وطوائف هذا المكوِّن الإجتماعية والدينية ، التي كان بعضها يشعر بكَم أكبر من التهميش والظلم كونه يُنظَر إليه على أنه أقلية من جهة ، وحاجة هذا المكوِّن للتحرر الوطني من نير الإحتلال العثماني من جهة أخرى ، من هنا كانت الثورة العربية الكبرى بقيادة الشريف حسين كنتيجة لهذا الشعور ، الذي غذته بلا شك دول الغرب وعلى رأسها بريطانيا المعادية للإمبراطورية العثمانية من ضمن الصراع على المنطقة ، قبل أن تنقلب و ” يتجرَّع ” العرب الخديعة والهزيمة .

أصبحت سايكس – بيكو أمراً واقعاً وقد نتج عنها دول وحدود ظل البعض يرفضها كما أسلفنا حد عدم الإعتراف – الإسلامي خاصة – بالكيانات الجديدة تحت شعار الوحدة العربية الشاملة ، أو عودة دولة الخلافة الإسلامية أو الوحدة السورية الإجتماعية كما في أدبيات أنطون سعادة ، وقد أوجدت هذه التباينات مشاكل داخلية نتج عنها صراعات وصلت حد الإعدام لأنطون سعادة في لبنان بالتواطؤ مع الحكم السوري آنذاك ، كما أنتجت إنقلابات عسكرية لاحقاً خاصة بعد نكبة فلسطين عام 1948 ، تارة بإسمها وأخرى بإسم القومية والوحدة العربية ، التي بدأ فكرها ينحو مع خروجه من طور النظرية إلى التطبيق على أيدي الأحزاب القومية من جهة والعسكر من جهة أخرى وبهدف شعبوي – ربما – ينحو نحو إعتبار العروبة هي الوجه الآخر للإسلام – ولو من دون إعلان – مع الإحتفاظ بالخطاب ” العلماني ” ما تسبَّب في إبتعاد الكثيرين – نسبياً – من المكون المسيحي العربي عنها في مرحلة أولى ، قبل أن تتطور الأمور لاحقاً بسبب الصراع بين الأجنحة القومية من بعثية وناصرية ، وبعثية – بعثية إضافة إلى ظهور الحركات اليسارية الماركسية خاصة بعد نكسة 1967 وظهور التيار الديني بعدها ، إلى إتجاه البعض منها – وكل بحسب مصالحه – إلى إعتبار وتحت شعار أن ” السُنة أمة وليست مذهب ” إعتبار العروبة مرادفاً للسُّنة وليست إطاراً جامعاً لكل العرب أو حتى المسلمين منهم كما كانت في بداياتها ، ولم يكن هذا الأمر في الحقيقة سوى غطاء ل ” مذهَبَة ” الحكم ، في مقابل البعض الآخر الذي ” مذهَبَ ” هو الآخر الحكم ولكن تحت شعار العلمانية .

بعد قرن من النضال ضد اتفاقية سايكس-بيكو، لا نزال نتحدث بلغة الأكثرية والأقلية أكثر مما كنا عند بدء تنفيذها

هكذا رأينا حكم ” سوبر أقليات ” – إذا صح التعبير – مذهبية وليست طائفية حتى ، وذلك بحكم القوة على الأرض في كل من سوريا والعراق وذلك – للمفارقة – تحت حكم البعث ، ففي سوريا قام حكم ” أقلوي علوي ” ليتحكَّم بأكثرية سنية وأقليات أخرى تحت شعار العروبة والعلمانية ، بينما في العراق قام حكم ” أقلوي سني ” يتحكم بأكثرية شيعية وباقي الأقليات بنفس الشعارات ، وذلك قبل أن يتحولا مع الزمن إلى حكم إبتلع القومية والدين وحتى المذهب لصالح العائلة فقط ، وكانت النتيجة الفشل في البلدين بغض النظر عن بعض ” الإيجابيات ” التي قد يراها البعض في كلا الحكمين ، أو بمدى أفضلية أي حكم منهما على الآخر ، ولكن تبقى العبرة في النهايات التي نرى نتائجها اليوم ، ما يرده البعض إلى فشل حكم ” الأقليات ” بالرغم من أن هذا البعض نفسه قد يرى الأمور بحسب إنتمائه المذهبي ، فبعض السنة مثلاً قد يرون في صدام حسين عادلاً وحافظ الأسد مجرماً والعكس كذلك صحيح لدى بعض العلويين وأطراف ” الأقليات ” الأخرى .

سقط صدام حسين في العام 2003 بيد أميركا التي إتخذت من ” أقلويته ” في العراق وتفرده بالحكم سبباً من بين الأسباب لتبرير غزوها للعراق وتسليم الحكم بعدها ل ” الأكثرية الشيعية ” بالرغم من معرفتها بتبعيتها لإيران بما تمثله من مشروع ديني مناهض لأنظمة المنطقة ، كما تفعل اليوم بتسليمها الحكم في سوريا ل ” الأكثرية السنية ” بالرغم من علمها بتاريخ ” هيئة تحرير الشام ” وتبعيتها لتركيا ، مع ما يعنيه هذا من خلط للأوراق في المنطقة التي يتصارع عليها وحولها أطراف إقليمية عدة أهمها المشروع الإسرائيلي ” الصاعد ” بقوة الدفع الأميركية .

المشكلة ليست في من يحكم، أكانت أقلية أم أكثرية، بل في فكر عقيم غير قادر على مواكبة العصر 

في العراق لم يحقق حكم ” الأكثرية ” الشيعية من الإنجازات الكثير ، فقد مرت البلاد بفترات عصيبة وصراعات مذهبية ردها البعض إلى ردة الفعل على إرتكابات العهد السابق وتراكمها ، فضلاً عن التغلغل الإيراني الذي تم بالشراكة مع أميركا ، فكانت النتيجة حروب وصراعات بينية وفساد ، كما هو الحال في سوريا اليوم – بغض النظر عن قصر مدة الحكم السوري الجديد – ، الذي يبدو أنه سائر بنفس الإتجاه العراقي من الصراعات المذهبية الداخلية كردة فعل أيضاً على إرتكابات النظام السابق ، إلى الصراع الإقليمي والدولي عليها ، وهكذا وبعدما كان الحديث يدور حول فشل ” حكم الأقليات ” إبان الحكم السابق في كل من العراق وسوريا ، وبعدها عن ” حلف الأقليات ” الذي روَّج له البعض إبان أحداث الثورة السورية وهو من أسوأ ما أنتجه العقل السياسي – بغض النظر عن صحته من عدمها – ، بات الحديث اليوم بعد كل ما حدث في الساحل السوري والسويداء ، ومن قبل في العراق ولا يزال – وإن بوتيرة أقل – يدور حول ” صلف الأكثرية ” في تعاملها مع الأقليات ، هذه التعريفات التي تُعتبر من أسوأ التعريفات والتي تظهر مدى التفسخ في أوطاننا ومجتمعاتنا ، وذلك بعد أكثر من قرن على تقسيم المنطقة وزعم النضال من أجل توحيدها عبر إسقاط إتفاقية سايكس – بيكو ، فكانت النتيجة أننا ليس فقط فشلنا في تحقيق هدف الوحدة ، بل الأخطر أننا لم ننجح أيضاً في الحفاظ أو بناء الدول التي أعطيت لنا ، وهو ما يُثبت بأن القضية ليست قضية أكثرية وأقليات ، بقدر ما هي قضية ” فكر عقيم ” محنط وجامد ، غير قادر على التفاعل مع المتغيرات ولا التكيف مع روح العصر ، ففي الوقت الذي يتجه فيه العالم لفتح ممرات بين القارات ، نتجه نحن لإقامة حواجز بين فئات المجتمع ، فنترك رحابة الوطن للعودة إلى الحارات والزواريب الطائفية والمذهبية والعرقية ، هذا التوجه الذي إذا ما إستمر ستشهد المنطقة ترتيبات أين منها إتفاقية سايكس – بيكو التي بات البعض وربما الأكثرية منا يتمنى العودة إلى مندرجاتها والحفاظ عليها ، وما أحداث سوريا الأخيرة إلا ” بروفة ” للآتي الأعظم .

السابق
عون: لا عودة عن حصرية السلاح!
التالي
توم برّاك يحذر من سيناريو أسوأ من ليبيا وأفغانستان في سوريا.. هل من خليفة للشرع؟