من «سوريا الكبرى» إلى «لبنان أولاً»: هل انقلبت عقيدة الحزب القومي؟

الحزب السوري القومي

لم يكن متوقّعًا أن يصدر عن الحزب السوري القومي الاجتماعي في لبنان بياناً بهذا الوضوح ضد فكرة ضم طرابلس إلى سوريا. الحزب الذي تأسس على عقيدة سوريا الكبرى العابرة للحدود، والذي اعتبر لبنان نفسه كيانًا اصطناعيًا ناتجًا عن مؤامرة سايكس – بيكو، يعود اليوم ليتموضع داخل الخريطة اللبنانية ويرفع لواء السيادة ورفض الوصاية والتصدي لمنطق الضم!

تحوّل في الثوابت!

ففي بيان الحزب الأخير ردًا على الأخبار الآتية من سوريا حول ضم طرابلس، أعلن رفضه القاطع لما وصفه: “السايكس بيكو الجديد”، واعتبر أن أي مشروع يهدف إلى ضم طرابلس إلى سوريا هو انتداب دولي جديد يحمل عصا إرهاب تهدّد سيادة لبنان وأمنه.

هذا التحوّل في خطاب الحزب، الذي لطالما عُرف بتبنّيه مبدأ “وحدة الأمة السورية” التي تشمل لبنان، يثير تساؤلات جوهرية حول حدود مشروعه الفكري في ضوء المتغيرات اللبنانية والسورية والإقليمية، ويفتح الباب واسعًا للتساؤل عن مدى تماسك أيديولوجية الحزب السورية القومية الاجتماعية في العصر الراهن. ألا يحمل هذا الموقف في طيّاته تناقضًا جوهريًا مع الفكر التأسيسي للحزب ذاته، الذي طالما دعا إلى وحدة “سوريا الكبرى” التي تضم لبنان وفلسطين والأردن وأجزاء من سوريا والعراق وقبرص.

بلاد الشام ليست سوريا..

الاستاذ ماهر الدنا، عميد الإعلام في الحزب السوري القومي الاجتماعي، قال لموقع “جنوبية”، تعليقا على البيان الأخير الصادر عن الحزب : “نحن ندعو إلى الوحدة المجتمعية في البلاد، لا إلى وحدة الكيانات بإدارة أنظمة قمعية، سواء كان النظام السوري السابق أو الحالي، أو غيرها من الأنظمة في لبنان والعراق والأردن. لسنا مع هذا النوع من الوحدة”.

ورأى الدنا أن استخدام رجل الأعمال الأميركي توماس باراك لمصطلح “بلاد الشام” لا يُثير الإعجاب، بل يكشف سطحية من يظن أن ذلك قد يدغدغ مشاعر القوميين، معتبرًا أن هناك خلطًا شائعًا حول اسم الحزب القومي السوري الاجتماعي، لا سيما فيما يتعلق بمفهوم “سوريا التي نتحدث عنها وهي ليست الشام فقط، ومن يقرأ يعلم، ومن لا يقرأ فهذه مشكلته”.

واعتبر الدنا أن عقيدة أنطون سعادة واضحة، ويرى أن بعض من يعبّرون عبر منصات التواصل الاجتماعي يجهلون العقيدة الحقيقية للحزب، فالبيان “قد يثير الاستغراب لدى الجاهل، لكنه لن يفعل ذلك لدى من يعرف حقيقة توجهات الحزب”.

ويفسر أن الحزب يؤمن بالوحدة المجتمعية بين أبناء الشعب، التي فرضها التاريخ والجغرافيا، وليس بوحدة تحت مظلة دول أو كيانات. فالحزب ينشد قيام دولة قومية اجتماعية تجمع هذه المناطق على أساس مجتمعي واقتصادي وسياسي وعسكري، وليس بالطريقة التي يطرحها توماس باراك. الدنا يصف مشروع باراك بأنه تهجيري لجزء من اللبنانيين. ويشير إلى أن موقف القوميين كان دومًا مدافعًا عن السيادة للدول العربية، خاصة بعد تدخل الأميركي في العراق وتفتيت البلاد عبر تنظيمات مسلحة طائفية ومذهبية. وأشار إلى رفض تقسيم المقسم، ولذلك فالحزب يعارض قيام الدويلة الكردية. ويعتبر أن نظام أبو محمد الجولاني يسعى لتنفيذ مخطط التقسيم، ولهذا لا يتوقع استقرار سوريا في ظل وجود هذا النظام.

وبحسب قوله: “البيان واضح، ولا يحق لأي بريمر جديد، في إشارة إلى توماس باراك، استخدام بلاد الشام كأداة لتهديد اللبنانيين، عبر التلويح بنظام الجولاني الذي يرتكب المجازر في سوريا”. وأكد أن الحزب يرفض أي إملاء خارجي، سواء من إسرائيل مباشرة أو من أدواتها، كجبهة النصرة المدعومة من إسرائيل وأميركا.

عميد الاعلام في الحزب القومي ماهر الدنا

التقاء وتناقض!

وعن التحالف مع الإسلام السياسي الشيعي بقيادة إيران في المنطقة، مقارنة بمعارضة الحزب القومي للإسلام السياسي السني المتمثل في النظام السوري بقيادة أحمد الشرع، أوضح الدنا: “نحن لسنا مع حزب الله في كل خياراته السياسية، لكننا نلتقي معه في جانب ونختلف في جانب آخر. تحالفنا قائم على مواجهة إسرائيل، وحزب الله هو الذي تبنى فكرة المقاومة التي نؤمن بها، فهو يتبنى خطابنا وخيارنا المبدئي. منذ عام 1948 ونحن نواجه الاحتلال، وطالما أن حزب الله يرفع لواء مواجهة إسرائيل، فنحن حلفاء في هذا المسار”.

حزب الله لم يهدد سوريا!

من وجهة نظره: “حزب الله لم يهدد سوريا، على عكس النظام السوري الحالي الذي يهدد لبنان بمحاولات الاجتياح وضم طرابلس، بالإضافة إلى حشد المقاتلين على الحدود البقاعية”. لكن الدنا لم يتطرق إلى تدخل حزب الله في الحرب السورية وتداعيات ذلك، كما لم يذكر أحداث السابع من أيار 2008!

ويشدّد على أن “الحزب القومي هو حزب لبناني في جوهره، وحزب فلسطيني في جوهره أيضًا، لأن رفاقنا يقاتلون في غزة ويُستشهد منهم العديد”، مضيفًا أن هذا الانتماء يمتد إلى “الرفاق في الأردن” ومدن وبلدان أخرى. وأنهى حديثه بالتأكيد على أن خير البلاد يكمن في الوحدة، مشيرًا إلى أن البعض تحدث عن سوق عربية مشتركة، على أمل أن تأتي الظروف المناسبة لتحقيق ذلك.

الدنا: “نحن لسنا مع حزب الله في كل خياراته السياسية، لكننا نلتقي معه في جانب ونختلف في جانب آخر. تحالفنا قائم على مواجهة إسرائيل، وحزب الله هو الذي تبنى فكرة المقاومة التي نؤمن بها، فهو يتبنى خطابنا وخيارنا المبدئي

الظروف التي لن تأتي أبدًا: كمن ينتظر اللاشيء!

مبادئ الحزب السوري القومي الاجتماعي وُلدت في مناخ فكري وأيديولوجي يعود إلى بدايات القرن العشرين، حيث كانت فكرة “النهضة القومية” رائجة كردّ على الاستعمار والانقسام. لكن هل مسوّغات الفكر القومي قابلة للحياة اليوم؟! ألا يجدر بالحزب القومي إعادة قراءة عقائده لتتماشى مع العصر الحديث وتحولاته؟

1- فكرة سوريا الطبيعية، التي قامت عليها عقيدة الحزب، تتجاهل كليًا الواقع السياسي والديموغرافي والديني والإثني والثقافي لشعوب المنطقة. فالدول التي يشملها هذا المشروع باتت كيانات مستقلة، بهويات قومية متباينة، كما أن التعايش بينها يتم على مضض، والعنف الأهلي فيما بينها متصاعد، وعمليات الترانسفير قائمة بالفعل.

2- دول هذه المنطقة غارقة في أزماتها، منقسمة على ذاتها، فكيف يمكن الحديث بجدية عن ضمّها تحت كيان موحد؟ هذا الطموح لم يعد إلا حنينًا رومانسيًا لا مكان له في الجغرافيا السياسية المعاصرة.

3- الحديث عن التحرر القومي من الاستعمار الغربي يتغافل عن الانهيارات الداخلية لشعوب المنطقة ودورها في تفاقم المشكلات: فساد مستشرٍ، تبعية اقتصادية، انقسام اجتماعي، اقتتال طائفي، وشعوب لا تعرف كيف تبني دولًا سوى بالاستبداد. ثم ألم يتحالف الحزب مع أنظمة مستبدة طوال تاريخه؟

4- في مبدأ العروبة الثقافية، يغيب الوعي بالتنوع. العروبة تُستخدم كثيرًا كقناع لطمس الهويات المحلية، فلا يمكن إلغاء التعدد الطبيعي، والنزعة نحو الاستقلال آخذة بالتوسع. هناك من لا يشعر بالانتماء للعروبة، لا عداءً بل اختلافًا مشروعًا.

5- الاعتماد على الامتداد الجغرافي كأساس للقومية يبدو كمراهنة محفوفة بالمخاطر، لأن الطبيعة لا يمكن الوثوق بثباتها. الزلازل، التصحر، التغير المناخي، كلها عوامل قد تفرض على الشعوب تبدلات ديموغرافية جذرية. من يضمن أن تبقى الجغرافيا كما هي؟

6- المنطقة معرضة لصراعات كبرى قد تكون نووية أو شاملة، ما يجعل حلم القومية هشًا أمام احتمالات الزوال الجماعي. التاريخ ليس ببعيد عن القنبلة الذرية، واليوم تبدو سيناريوهات الهلاك أكثر واقعية من أي وقت مضى.

7- الحزب يغفل مبدأ الديمقراطية. فالقومية كما صيغت، ترتكز على الزعيم الذي لا يُنتخب بل يُقدَّس. كيف تُبنى دولة حديثة دون تداول سلطة أو محاسبة؟

8- غياب الانتماء العاطفي الحقيقي بين شعوب المنطقة يجعل مشروع القومية هشًا. لا يكفي التاريخ أو الأرض، بل المطلوب روابط إنسانية ومشاعر مشتركة تعزز الولاء والانتماء، وهو ما لم يتحقق بعد.

وبالنهاية، لا شك ان المبادئ التي يمكن نقدها في فكر الحزب كثيرة، من تمجيد العمل والإنتاج، إلى مبدأ النظام والانضباط. وأن الحزب مدعو، إن أراد البقاء، إلى مراجعة جذرية لعقيدته، لتأخذ في الاعتبار تعقيدات الواقع الحديث، من بيئة واقتصاد إلى تكنولوجيا وعولمة أزالت الحدود بين البشر.

اقرا ايضا: تحالفات الأقليات الجديدة: السويداء نموذجًا لسقوط الدولة وصعود خرائط بن غوريون ــ خامنئي

السابق
غارة إسرائيلية على الخيام وسقوط ضحية.. من المُستهدف؟
التالي
قوى الأمن تُحبط شغب سجن أميون وتوقف مهدِّدًا بقتل آمر السجن