الأنتخابات العراقية 2025: تدويرالوجوه أم فرصة للتغيير؟

الانتخابات العراقية

مع اقتراب موعد الانتخابات المقررة في يوم 11 نوفمبر/تشرين الثاني العام 2025، تبدو الخارطة السياسية في العراق أمام مشهد يتكرر من حيث الشكل، ولكنه يحمل في طياته مؤشرات جديدة من التحديات وطبيعة التنافس.

وفي تطور جديد، أعلن ائتلاف النصر بزعامة رئيس الوزراء العراقي الأسبق الدكتور حيدر العبادي انسحابه من الانتخابات البرلمانية المقبلة، احتجاجاً على ما وصفه بدور “المال السياسي”، وغياب الضوابط المانعة لتوظيفه في هذه العملية الديمقراطية.

وأصدر “النصر” بياناً في يوم 29 يونيو، أعلن فيه أنه “يرفض إشراك مرشحيه بانتخابات تقوم على المال السياسي، وتفتقد إلى الحزم بفرض الضوابط القانونية المانعة من التلاعب وشراء الأصوات، وتوظيف المال العام والمال الأجنبي، واستغلال موارد الدولة”.

وقبل ذلك، أعلن رئيس الوزراء العراقي السابق السيد مصطفى الكاظمي عدم المشاركة في الانتخابات البرلمانية المقبلة، مؤكداً أن قراره “نابع من قناعته بغياب الحد الأدنى من شروط التنافس السياسي السليم”.

وأضاف الكاظمي، خلال مقابلة تلفزيونية مطلع يونيو 2025، أن “العملية الانتخابية المرتقبة تفتقر إلى العدالة والنزاهة، وتخلو من المشاريع السياسية الحقيقية، في وقت تهيمن فيه الأموال السياسية والنفوذ المالي على المشهد الانتخابي”.

وفي الوقت الذي انتهت فيه مهلة تسجيل التحالفات السياسية، برزت اصطفافات وتحالفات جديدة، مقابل انفراط عقد التحالفات القديمة. ولكن السؤال الأهم يبقى: هل تمثل هذه الانتخابات بداية تغيير سياسي حقيقي، أم أنها مجرد إعادة إنتاج لمنظومة حكم مهترئة؟

أعلن ائتلاف النصر بزعامة رئيس الوزراء العراقي الأسبق الدكتور حيدر العبادي انسحابه من الانتخابات البرلمانية المقبلة، احتجاجاً على ما وصفه بدور “المال السياسي”، وغياب الضوابط المانعة لتوظيفه في هذه العملية الديمقراطية.

ثلاث إرادات متنافسة… وشعب محبط

الانتخابات القادمة تشهد تنافس ثلاث إرادات رئيسة:

أولها، جيل سياسي جديد يسعى إلى فرض نفسه كلاعب أساسي على طاولة الحكم، وعلى رأس هذا التيار يأتي تحالف “الإعمار والتنمية” بقيادة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، وحزب “تقدم” بزعامة محمد الحلبوسي، الطامح لاستعادة نفوذه بعد قرار المحكمة الاتحادية بعزله من رئاسة البرلمان.

الإرادة الثانية تمثلها القوى التقليدية الحاكمة، التي تنظر إلى الانتخابات بوصفها وسيلة لحماية مصالحها، وليس كآلية ديمقراطية لإحداث التغيير. وهذه القوى والأحزاب السياسية تخشى صعود الجيل الجديد، وتراهن على الحفاظ على امتيازاتها من خلال المشاركة الفاعلة في الحكومة المقبلة.

أما الإرادة الثالثة، فهي إرادة المقاطعة، والتي تتزعمها هذه المرة كتلة ذات ثقل جماهيري كبير، هي التيار الصدري، حيث السيد مقتدى الصدر، وبعد انسحاب كتلته من البرلمان إثر انتخابات العام 2021، يسعى الآن إلى ترسيخ موقع التيار الصدري كـ”معارض نزيه” عبر مقاطعة الانتخابات بهدف نزع الشرعية عن النظام السياسي القائم وتقليل نسبة المشاركة.

ديمقراطية شكلية في قبضة الخارج

المفارقة الكبرى أن الطبقة السياسية في العراق، ومنذ العام 2003، ما زالت تتعامل مع الانتخابات كوسيلة للوصول إلى السلطة، وليس كآلية لبناء نظام ديمقراطي. فشرعية الحكم في العقل السياسي العراقي تكاد تنحصر في المدخلات العملية الديمقراطية (الانتخابات)، بينما يتم تجاهل مخرجاتها، أي الأداء الحكومي والاقتصادي والخدمي.

ومن هنا تتفاقم الفجوة بين الحاكم والمحكوم. فبينما يرى المواطن أن الانتخابات موسمية لا تغيّر من واقعه شيئًا، يرى السياسي أنها مناسبة لتجديد السيطرة وتقاسم موارد الدولة. وهذا ما يفسّر نسبة الإحباط الشعبي الواسعة من العملية السياسية برمتها، كما تعبّر عنها ردود المواطنين من قبيل: “انتخبنا ولم يتغير شيء”.

ورغم بعض التغييرات الشكلية في أسماء التحالفات وطبيعة المرشحين، لم تظهر أي مؤشرات حقيقية على أن الانتخابات القادمة ستكسر القاعدة القديمة في السياسة العراقية _ تحالف الأصدقاء–الأعداء. إذ لا يزال التنافس محكومًا بالبراغماتية السياسية التي تسمح بتبادل التخوين قبل الانتخابات، ثم عقد التحالفات بعد فرز النتائج وتقاسم السلطة.

وهنا تكمن خطورة الأزمة: عدم وجود بديل سياسي حقيقي أو مشروع وطني جامع قادر على قلب المعادلة وإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع.

إضافة إلى ذلك، لا يمكن تجاهل تأثير الإرادات الخارجية في توجيه القرار السياسي العراقي، والتي غالبًا ما تكون أقوى من صوت الشارع أو مخرجات الانتخابات. حيث أن الحكومات المتعاقبة تخضع لمعادلات إقليمية ودولية أكثر مما تستجيب لحاجات المواطنين، الأمر الذي أفرغ العملية الديمقراطية من مضمونها، وأبقى الدولة رهينة لمعادلات التوازن بين القوى والأحزاب السياسية والطائفية، لا التمثيل الحقيقي للرأي الشعبي.

تتفاقم الفجوة بين الحاكم والمحكوم. فبينما يرى المواطن أن الانتخابات موسمية لا تغيّر من واقعه شيئًا، يرى السياسي أنها مناسبة لتجديد السيطرة وتقاسم موارد الدولة

إلى أين؟

في بلد يعاني من نظام ديمقراطي ضعيف، لا يمكن للانتخابات وحدها أن تصنع التغيير دون مشروع وطني جامع، وتغيير في وعي النخبة الحاكمة اتجاه مفاهيم السلطة والشرعية. حيث أن الشرعية الحقيقية لا تُمنح في صناديق الاقتراع فقط، بل تُبنى من خلال إنجازات ملموسة على الأرض، تعيد ثقة المواطن بوطنه ونظامه السياسي.

وحتى يتحقق ذلك، تبقى الانتخابات العراقية المقبلة مفترق طرق: إما أن تكون خطوة أولى نحو إعادة تشكيل العلاقة بين الحاكم والمحكوم، أو تكون مجرد حلقة جديدة في مسلسل التدوير السياسي.

اقرا ايضا: لماذا تعارض اسرائيل دخول «جيش الشرع» الى السويداء؟

السابق
مفوض الأمم المتحدة يطالب السلطات السورية بمحاسبة المتورطين في عمليات القتل بالسويداء
التالي
إيران تستأنف تسليح الأذرع.. تعويض الخسائر وترميم النفوذ