في 14 شباط 2005 أغتيل رفيق الحريري ، ودخل لبنان مجدداً نفق ” الحرب الأهلية الباردة ” – إذا صح التعبير – ، بفعل كسر التوازن الذي كان قائماً منذ بدء تطبيق إتفاق الطائف الذي أنهى الحرب بعد إنهاء تمرد العماد ميشال عون في 13 تشرين الأول عام 1990 .
بإغتيال رفيق الحريري شعر اللبنانيون عامة بالصدمة والطائفة السُنية بشكل خاص بما يُشبه حالة “اليُتم” ، فكانت ” ثورة الأرز ” التي جاءت كردة فعل طبيعية على هذا الشعور لتخفف من وقعه ، خاصة في بداياتها حيث تجسَّدت الوحدة الوطنية اللبنانية بأبهى صورها ، وأسفرت بدعم عربي وخارجي عن إنجازات تمثَّلت بالإنسحاب السوري من لبنان بعد حوالي 30 عاماً من الإحتلال والوصاية ، لكن الإنجاز الأكبر والأهم – برأيي – كان هو تأكيد عودة اللبنانيين بأكثريتهم – والمسلمون السُنة بما يُمثلون بشكل خاص – إلى لبنان ، تحت شعار ” الولاء للبنان والوفاء لرفيق الحريري ” ، وذلك بعد سنين طويلة من تقدم الشعور والولاء القومي والديني على الوطني إعتقاداً منهم بأن المصير واحد لا يتجزأ ، وهي عودة كان قد بدأها بعد إنتهاء الحرب – وربما قبل – وأرسى أُسسَها وخاض غمارها بتؤدة وبراعة ولباقة سياسية ، الرئيس الشهيد وذلك عبر نجاحه في الإستفادة من فترة ” التوأمة ” – إذا صح التعبير – ما بين العمل العربي السعودي – السوري في ذلك الوقت لمصلحة لبنان واللبنانيين ، مدعوماً بدفع عربي ودولي نتيجة الظروف التي إستجدت بعد إنهيار الإتحاد السوفياتي أوائل تسعينيات القرن الماضي .
إقرأ أيضا: واشنطن تطالب بجدول زمني لسحب سلاح الحزب..وجيش الشرع ينسحب من السويداء
كان إغتيال رفيق الحريري الذي جاء بعد تغيرات إقليمية ودولية فرضتها أحداث الحادي عشر من أيلول ” سبتمبر ” عام 2001 ، محاولة لإعادة ” السُنة ” اللبنانيين إلى ” بيت الطاعة ” السوري بإسم العروبة ومنع ترسخ نهج ” الحريرية السياسية ” التي كانت عودة السُنة بأكثريتهم إلى لبنان أحد أهم منجزاتها ، وإن كان البعض قد حاول إختزالها بالشق الإقتصادي لما في هذا الشق من ” ثغرات ” – بطبيعة الحال – يستطيع من خلالها التصويب عليها وعلى شخص الرئيس رفيق الحريري .
هذه المحاولة فشلت مع تفجُّر ثورة الأرز وإستمرار الرئيس سعد الحريري بالسير على نهج والده الشهيد فكراً وممارسةً ، وذلك عبر تبني شعار ” لبنان أولاً ” والعمل به ، الأمر الذي كلَّفه الكثير من الأثمان السياسية التي دفعها بسبب بُعده عن الشعبوية في تعامله مع التطورات والأحداث ، خاصة في فترة ما بعد 7 أيار 2008 المشؤومة ، فكان أن إنفضَّ من حوله الكثيرون – في الداخل والخارج – من المزايدين الذين لو كان سعى سعيهم وأنصت إليهم ، لأدخل طائفته – ربما – وبالتالي البلد في صراعات لا قِبَل لهم بها خاصة في ظل ميزان القوى على الأرض في ذلك الحين ، الأمر الذي إستغله خصومه أيضاً من الأطراف الأخرى في البلد أسوأ إستغلال ليصل به الأمر بعد فشل كل التسويات التي عقدها بهدف حماية البلد والناس ولو على حسابه ، إلى الإعتكاف وتعليق عمله السياسي منذ أكثر من ثلاث سنوات .
اليوم وبعد سقوط نظام بشار الأسد في سوريا نهاية العام الماضي وحلول نظام ” إسلامي سني ” مكانه ، ومع إستمرار غياب الرئيس سعد الحريري عن لبنان مع عدم ظهور قيادة قوية بديلة له على الساحة السنية ، ومع تبدُّل موازين القوى في المنطقة ، بدأت تظهر بعض الأصوات على الساحة السنية اللبنانية وتحت شعار ” المظلومية ” والإحباط السني من جهة ، والشعور – ربما – بفائض قوة ” سني ” جديد في المنطقة من جهة أخرى ، أصوات تتغنى بالنظام الجديد في سوريا وقائده أحمد الشرع بطريقة أعادت إلى الأذهان تعلُّق البعض بصورة جمال عبد الناصر وياسر عرفات وغيرهم من رجالات السلطة العرب في المراحل السابقة ، وهو تغنٍ وصل حد التهديد بالتوجه للإستعانة به في قضايا لبنان الداخلية ، وذلك في إستعادة لخطاب كنا نعتقد أنه عفا عليه الزمن ضمن هذه الشريحة من اللبنانيين ، وبما يُشكِّل ما يشبه الإنقلاب على ” الحريرية السياسية ” بما يعنيه هذا التوجه من خطورة على لبنان ومستقبله ، وما يطرحه من مخاوف خاصة مع ” زلة لسان ” توم باراك الأخيرة المقصودة والتي جاءت على شكل نصيحة ، في محاولة ربما لدغدغة عواطف البعض وإثارة مخاوف البعض الآخر في الداخل اللبناني ، مع ” تأكيده ” على عدم التدخل الأميركي في قرارات لبنان بما يذكِّر بكلام إبريل غلاسبي لصدام حسين عشية غزو العراق للكويت عام 1990 ، مع إختلاف الظروف والمعطيات طبعاً .
إقرأ أيضا: بالفيديو: الشيعة في سوريا يعلنون وقوفهم إلى جانب الدولة.. إدانة العدوان الإسرائيلي ورفض جميع أشكال الاحتلال والانفصال
قد يقول قائل بأن هذا البعض على الساحة السنية هم قلة قليلة ولا تعبِّر عن رأي الشارع السني وهذا صحيح ، ولكن ترك الساحة لهذه الأصوات وعدم مواجهتها بقوة الحكمة والمنطق والعقل قد يأخذ الأمور إلى وضع لا تحمد عقباه ، وهو وضع كلَّف لبنان واللبنانيين ثمناً باهظاً منذ أكثر من نصف قرن ولا يزال ، خاصة وأن هذا البعض إتخذ من كلام مفتي الجمهورية الأخير وكذلك زيارته الأخيرة إلى سوريا – مع تحفظنا على مثل تلك الزيارات – ، إتخذ منه مثالاً لتأكيد صوابية مواقفه ، بينما موقف المفتي – كما أراه شخصياً – قد جاء من موقع الحث على إصلاح بعض الإعوجاج في ممارسات السلطة ، وقد يكون القصد منه إستيعاب هذه التوجهات وتنفيسها عبر إعلاء سقف التحذير للسلطة وأطرافها الفاعلة في الداخل ، أكثر منه تطلعاً لوصاية جديدة كانت دار الفتوى أكثر من دفع ثمنها تحت شعارات عربية ، ولا أعتقد بأنها والشريحة الأوسع في الطائفة السنية اليوم مستعدة لأن تدفع ثمنها مرة جديدة تحت شعارات دينية ومذهبية جديدة تطيح بكل ما أنجزه الرئيس الشهيد رفيق الحريري وخطه السياسي الوطني المعتدل ، والمتصالح مع محيطه العربي دون إفراط بالقومية العربية ولا تفريط بالوطنية اللبنانية ، التي يجب أن تظلِّل الجميع اليوم لأنها الحماية الوحيدة للبنان واللبنانيين في ظل ما تشهده المنطقة من صراعات وحروب قد تؤدي إلى تغيير خرائطها كما يتمنى ويسعى لذلك البعض ، فهل ينقلب سُنة لبنان على ” الحريرية السياسية ” أم ينجح العقلاء منهم بإحباط هذه المخطط ويبقى ” لبنان أولاً ” ؟ .

