تُرى، كيف لدراما نشأت من قلب بيروت الصاخبة وتاريخها الغني أن تُنافس صخب الشاشات الحديثة وتُبهر العالم؟ سؤال يطرح نفسه بقوة في المشهد الفني العربي، بينما الدراما اللبنانية تُواصل تألقها وتُقدم أعمالًا ترسخ مكانتها. في تصريح حصري، يُبحر المخرج مصطفى أحمد عناد في الذاكرة الفنية للبنان، كاشفًا عن أسرار سحر هذه الدراما ومُنيرًا طريقها نحو مستقبل يبدو واعدًا… فهل نحن على موعد مع مرحلة جديدة من الإبداع؟
يقول عناد، بلهجة خبير يُدرك قيمة الإرث: “تاريخ الدراما اللبنانية ليس مجرد سرد لأعمال فنية، بل هو حكاية مجتمع متعدد الأوجه. بدأت قصتها بتوهج في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، لتُصبح أيقونة في كل بيت عربي. من منا لا يتذكر تلك الأعمال التي جسّدت الحياة البيروتية ببهجتها وأحزانها، وقدمت صورة واقعية عن المجتمع اللبناني بتفاصيله الغنية؟ إنها دراما حملت روح الفن والجمال، وصلت إلى كل القلوب.”
من عبق بيروت إلى وهج الشاشات: حكايات لا تُنسى
ما الذي جعل الدراما اللبنانية تحظى بكل هذا الحب في بداياتها؟ عناد يُجيب: “السر يكمن في فرادتها وتقديمها لواقع الحياة اللبنانية بأسلوب جذاب. لقد كانت السبّاقة في غوصها عميقًا في قصص الحب والرومانسية، وقضايا المجتمع المعقدة، مستفيدة من جمال الطبيعة اللبنانية وتنوعها، من جبالها الشاهقة إلى شواطئها الساحرة. هذه الأعمال لم تكن مجرد مسلسلات، بل كانت نافذة أطلّ منها المشاهد العربي على نمط حياة مختلف، مليء بالجمال والعمق الإنساني.”
لم تكتفِ الدراما اللبنانية بالقصص الاجتماعية فحسب، بل قدمت روادًا في التمثيل والإخراج، وبرزت من خلالها وجوه فنية أصبحت أيقونات في عالم الفن العربي، تاركين بصمة لا تُمحى في الذاكرة الجماعية.
رياح التغيير: هل كانت أزمة أم فرصة؟
لكن مسيرة أي فن لا تخلو من التحديات. مع اندلاع الحرب الأهلية وما تلاها من ظروف صعبة، واجهت الدراما اللبنانية رياحًا عاتية، وتراجعت وتيرة الإنتاج. لكن عناد يُخالف هذا الرأي بأنها نهاية المطاف: “بالعكس تمامًا! تلك الفترة، رغم صعوبتها، لم تُنهِ الإبداع، بل كانت مرحلة دفع نحو التفكير خارج الصندوق، وإعادة تقييم المسار. دفعت صناع الدراما للبحث عن أشكال جديدة، وتجارب عصرية، ومواضيع تُلامس الجيل الجديد. كانت مرحلة صمود وإصرار على البقاء.”
نهضة قادمة: هل حان وقت العودة للقمة؟
اليوم، تبدو المؤشرات أكثر إشراقًا. عناد يُعرب عن تفاؤله بمستقبلٍ مشرق: “نشهد الآن يقظة حقيقية. المنصات الرقمية العالمية، التي فتحت أبوابها للمحتوى اللبناني عالي الجودة، غيّرت قواعد اللعبة. لقد أصبح التمويل أفضل، والانتشار أوسع، والفرص أكبر، مما أعطى الدراما اللبنانية دفعة قوية لاستعادة مجدها.”
ويُضيف: “الدراما اللبنانية تملك ورقتين رابحتين: الأولى هي قدرتها الفائقة على إنتاج القصص الرومانسية والاجتماعية المعقدة التي تُلامس المشاعر وتُثير الجدل، فمن منا لا يزال يأسرنا جمال القصة وصدق الأداء في الأعمال اللبنانية؟ والثانية هي القدرة على مواكبة العصر وتقديم محتوى عصري يُعبر عن تطلعات الشباب، مع الحفاظ على الهوية اللبنانية الأصيلة التي تمزج بين الأصالة والحداثة.”
يختتم المخرج مصطفى أحمد عناد حديثه بكلمات تُشعل الحماس: “الدراما اللبنانية ليست مجرد ذاكرة، بل هي قوة كامنة تنتظر لحظة الانطلاق. إنها تملك كل مقومات العودة بقوة: إرث فني ضخم، مواهب متجددة، ومواقع تصوير لا مثيل لها. فهل نشهد قريبًا استعادة الدراما اللبنانية لمكانتها الريادية، لتُصبح من جديد قبلة الأنظار في عالم الفن العربي والعالمي؟ الأيام القادمة ستحمل الإجابة!”

