خيّم الصمت صباح اليوم الثلاثاء 24 حزيران 2025، على جبهات النار بين إيران وإسرائيل بعد اثني عشر يومًا من واحدة من أكثر المواجهات دموية وتوترًا في تاريخ الصراع الإقليمي الحديث. حربٌ لم تبدأ بضربة نووية، بل باغتيالات دقيقة شنتها إسرائيل داخل إيران، وامتدت لتشمل منشآت عسكرية ونووية، وردّت عليها طهران بقصف صاروخي مباشر طال قلب تل أبيب.
ورغم فداحة الخسائر لدى الطرفين، خرجت كل من إسرائيل وإيران وأميركا تدّعي أنها “حققت أهدافها”. لكن الواقع أظهر أن ميزان الردع تغيّر، وأن المنطقة مقبلة على مرحلة تسويات تُصاغ تحت وطأة ما خلّفته صواريخ إيران وغارات إسرائيل، لا من خلال اتفاقات دبلوماسية ناعمة.
إسرائيل تفتح المعركة في قلب إيران
في 12 حزيران 2025، باغتت إسرائيل العالم بشن ضربات دقيقة استهدفت قادة كبار في الحرس الثوري الإيراني ومراكز قيادة عسكرية داخل طهران وأصفهان. الضربة التي نُفّذت عبر طائرات مسيّرة وصواريخ كروز، جاءت تتويجًا لتصعيد متدرج بدأ مع توترات نووية متصاعدة وانتهى بقرار سياسي وعسكري إسرائيلي بإجهاض “التهديد الإيراني قبل أن يتضخم”.
ردّت إيران ببيان مقتضب، متوعدة بالرد في الزمان والمكان المناسبَين، لكن الرد جاء أسرع من المتوقع: صواريخ متوسطة المدى أطلقت من الأراضي الإيرانية على جنوب إسرائيل، إيذانًا بدخول الطرفين في مواجهة مباشرة، للمرة الأولى في تاريخ الصراع بينهما.
انتهت المعركة مع تدخّل حاسم من الولايات المتحدة التي نفّذت اول امس الأحد غارات مكثفة على منشآت نووية إيرانية في نطنز وفوردو وأراك. استخدمت قاذفات “B-2” الشبح الأميركية، وأسقطت أكثر من 180 طنًا من المتفجرات في أكبر هجوم من نوعه منذ حرب العراق عام 2003.
لكن إيران، رغم الضربات القاسية، لم تنهزم. بل واصلت إطلاق الصواريخ حتى الساعات الأخيرة من وقف إطلاق النار، مستهدفة مواقع عسكرية ومدنية في تل أبيب وبئر السبع. وقد قُتل وفق بيانات رسمية إسرائيلية 28 شخصًا، وأصيب أكثر من 100، فيما جرى تعليق حركة الطيران لعدة أيام، وجرى إخلاء أحياء سكنية كاملة.
إسرائيل تفقد أسطورة الردع
الحرب كشفت خللاً بنيويًا في استراتيجية الردع الإسرائيلية. فبرغم الهيمنة الجوية والتفوق التقني، لم تنجح إسرائيل في منع الضربات الإيرانية على تل ابيب والمدن الاسرائيلية الكبرى التي ادت الى دمار واسع وسقوط قتلى وجرحى اسرائيليين، ولا في إخضاع القرار السياسي الإيراني.
طهران من جهتها، رغم مقتل قادتها وتعرض منشآتها النووية لضربات مؤلمة، وسقط حوالي 400 قتيلا من مواطنيها حسب تقديرات غربية، فقد حافظت على تماسك النظام، واستمرت في توجيه الضربات حتى اللحظة الأخيرة. بل استهدفت قاعدة “العديد” الأميركية في قطر، في عملية وُصفت بـ”المدروسة” والتي لم تسفر عن ضحايا لكنها أوصلت رسالة استراتيجية واضحة: حتى واشنطن ليست بمنأى عن النار إذا شاركت في العدوان.
رغم فداحة الخسائر لدى الطرفين، خرجت كل من إسرائيل وإيران وأميركا تدّعي أنها “حققت أهدافها”. لكن الواقع أظهر أن ميزان الردع تغيّر، وأن المنطقة مقبلة على مرحلة تسويات تُصاغ تحت وطأة ما خلّفته صواريخ إيران وغارات إسرائيل.
واشنطن تمسك بالخيط الأخير
مع تفاقم المواجهة وارتفاع منسوب الخطر على المصالح الأميركية في الخليج، تدخلت إدارة الرئيس دونالد ترامب عبر وساطات مباشرة وغير مباشرة، أبرزها مع قادة قطر وعُمان.
وأمس في 23 حزيران، أعلن ترامب رسميًا التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين إيران وإسرائيل، مشيدًا بما وصفه بـ”النصر الدبلوماسي” الذي حال دون انزلاق المنطقة إلى حرب مفتوحة كان من الممكن أن تستمر لسنوات.
ترامب كان حريصًا على تأكيد أن واشنطن لا تسعى إلى إسقاط النظام الإيراني، بل إلى “إعادة ضبط سلوكه”، في إشارة إلى رغبة حقيقية بالعودة إلى طاولة التفاوض بعد الحرب.
الرابحون والخاسرون
بالنتيجة، ربحت إسرائيل تعطيلا جزئيا للبرنامج النووي الإيراني، وقامت باغتيال أهداف استراتيجية، ولكنها خسرت صورة الردع واستقرار الجبهة الداخلية وثقة الرأي العام.
اما ايران فقد ربحت الصمود، والقدرة على الرد، وحفظ النظام، بالمقابل خسرت قادتها، منشآتها الحيوية، وتكبدت خسائر بشرية وعسكرية كبيرة.
في حين ان الولايات المتحدة ربحت إدارة الحرب ومخرجاتها، وتأكيد دورها كوسيط دولي محوري.
ما بعد الحرب: مفاوضات نووية وتسويات
رغم أن جزءًا من البنية النووية الإيرانية تعرض للضرر، لم يُدمّر البرنامج بالكامل، ما يعيد فتح ملف المفاوضات بشروط جديدة، فواشنطن تسعى لاتفاق نووي موسّع يحدّ من التخصيب فلا يتجاوز 3.5%، على ان يشمل الاتفاق النفوذ الإقليمي والسلوك العسكري.
إيران، بدورها، تريد رفع العقوبات أولاً، وتُظهر أنها لا تدخل التفاوض كمهزومة بل كطرف صامد، اما دول الخليج، خاصة قطر وعُمان، فقد أصبحت طرفًا مباشرًا في هذه المفاوضات كضامنات أو وسطاء.
وفي لبنان، عاد القرار 1701 إلى الواجهة مع تصاعد الضغوط لتطبيقه بالكامل، خاصة في ما يتعلّق بحصر السلاح بيد الدولة، وسط طرح متجدد من قائد الجيش العماد جوزاف عون بدعم أميركي مباشر.
رغم أن جزءًا من البنية النووية الإيرانية تعرض للضرر، لم يُدمّر البرنامج بالكامل، ما يعيد فتح ملف المفاوضات بشروط جديدة، فواشنطن تسعى لاتفاق نووي موسّع يحدّ من التخصيب فلا يتجاوز 3.5%، على ان يشمل الاتفاق النفوذ الإقليمي والسلوك العسكري.
وحسب محللين، فقد كشفت حرب 12 يوما أن عصر “الحرب بالوكالة” يقترب من نهايته، وأن الردع لم يعد حكراً على إسرائيل، ولا التفوق الجوي كافياً لإخضاع الدول، فقد بدّلت موازين، ورسمت خطوط تماس جديدة، وأرغمت الجميع على الدخول في مرحلة “سلام بالإكراه”… لكن من دون أن تنتهي الأسباب العميقة للحرب. إنها هدنة مؤقتة على أرضٍ لا تزال مشتعلة.
اقرا ايضا: بالفيديو: إيران تقصف قواعد أميركية في قطر

