ثمة مشكلة كبيرة تعصف بمحور الممانعة، وهي مراكمة الأخطاء وعدم التعلم مما سبق. فقد أثبتت أحداث الأيام الثلاثة الأولى من الحرب الإسرائيلية على إيران أن الأخطاء التي تعرّض لها “حزب الله” في لبنان هي ذاتها التي وقع بها النظام الإيراني، حيث إنهم لم يستمعوا لنداء العقل، ولكل ما يجري من حولهم، عدا عن الخرق الأمني والاستخباراتي الكبيرين اللذين تتعرض لهما ساحاتهم، وكأن قصة “البيجيرز” التي أصابت “حزب الله” في السابع عشر من أيلول – سبتمبر ٢٠٢٤ قد تكررت في إيران، ولكن بشكل مختلف في الأهداف.
خرق أمني كبير وغياب تقدير الموقف
ففي الثالث عشر من حزيران – يونيو ٢٠٢٥ في إيران، بالرغم من كل ما كان يحدث من أجواء تحضير للحرب ضد إيران، وما كان يصرّح به قادة ومسؤولو إسرائيل، لم يرقَ إلى مسامع طهران وقادتها، بل كان وهم تفوقهم على إسرائيل يُسيطر عليهم، ووهم قوتهم زاد في وهم فائض القوة التي دفع ثمنها “حزب الله” في لبنان بقياداته، وخصوصاً دون الأخذ بعين الاعتبار مهلة الستين يوماً التي تحدث عنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، التي منحها لقيادة طهران لتوقيع الاتفاق حول المشروع النووي الإيراني. وهذا ما حصل في طهران، حيث كان مستوى الخرق الأمني كبيرًا وكبيرًا جدًا، حتى تمكنت “الموساد” من إقامة قاعدة لها في إيران لتوجيه وقيادة المسيّرات الانقضاضية ووضع بنك أهداف، والتي من خلالها تمكنت إسرائيل من اغتيال القيادات العسكريين والعلماء النوويين.
هذا بالإضافة إلى تكوين بنك الأهداف، الذي مكّن القوات الجوية الإسرائيلية من تنفيذ عملياتها وتمكنها من السيطرة على الأجواء الإيرانية بعد ضرب الرادارات وقطعات سلاح الدفاع الجوي، حتى غدت إيران وكأنها منظمة عسكرية ميليشيوية، وليست دولة مضى على إنشائها وتأسيسها ما يُقارب الخمسة عقود من الزمن، أفقرت الشعب الإيراني وبددت ثرواته على إنشاء المصانع النووية والميليشيات الأذرع لها في البلدان العربية، واستعملت المواطنين الشيعة العرب في تلك الدول كعملاء لها.
انكشاف سردية الممانعة
وعلى الرغم من كل السردية التي راكمتها إيران في أذهان مواطنيها وأذرعتها، برهنت كم هي ضعيفة، وكم هم قادتها متخلفون، غير قادرين على قراءة الأحداث واستنباط الحلول لها.
لذا، عموم الشعب الإيراني يدفع الثمن، كما دفعت الشعوب العربية في فلسطين ولبنان وسوريا والعراق واليمن الثمن الباهظ من جراء العقلية القيادية الواهمة السائدة في بلدان محور الممانعة، وعلى رأسه إيران.
الحرب الإسرائيلية الإيرانية قد انطلقت في الثالث عشر من حزيران – يونيو ٢٠٢٥، لكنها لن تتوقف خلال أيام، بل ستمتد لأسابيع، وقد تتطور ليشمل حريقها ما تبقّى من مكتسبات راكمتها تلك الشعوب، إن وُجدت. وبالتالي، الفائز الوحيد في هذه الحرب هو الولايات المتحدة الأميركية فقط، مع تجرع كأس الهزيمة على التوالي لكل من إيران وإسرائيل، مع أفضلية لبقاء الكيان الإسرائيلي صامدًا بعض الشيء، بالنظر لما يتمتع به من دعم غربي وأميركي. ولكن، ما سينتج من دمار في البنية العمرانية والاقتصادية، ومن جرح عاطفي في ذاكرة الشعب اليهودي في إسرائيل، سيحفر عميقًا في الذاكرة الجماعية اليهودية، وقد تنتج عنه مشكلات كبيرة ستظهر بعد حين.
أما إيران، فستتجرع كأس السُّم نتيجة ضياع المشروع النووي، وما ستتكبّده من خسائر، والذي إن لم يُسقط النظام، فقد يُصاب بتخلخل عظيم يضع حدًا له في المستقبل المتوسط أو القريب، وقد يكون ذلك مؤشرًا لتحرر الشعب الإيراني من نظام الملالي لرجال الدين، والذي أسسه الإمام الخميني في أواخر سبعينات القرن الماضي.
اقرا ايضا: لماذا يرفض نتنياهو وقف الحرب رغم الصواريخ على تل أبيب؟

