رغم كل ما شوهد أو قيل عن ممارسات تنافي مبدأ الديمقراطية وتتعارض مع الانتخابات البلدية وأغراضها، سواء أكان في ممارسة ضغوط معنوية وجسدية على المرشحين المنافسين، أو حصول رشوات اجتماعية، أو توظيف المقدس وتقديس الرموز السياسية، أو التهم التي تلقى جزافاً وافترائاً وبنحو عبثي ضد كل منافس أو معترض للثنائي المتحالف. ورغم القول بوجود تغير في المزاج الشيعي وتململ داخل بيئة حزب الله الحاضنة، وتصاعد الأصوات المستنكرة والرافضة لمعارك حزب الله العبثية. ورغم أدلة الفساد المالي التي طالت أكثر من استلم مراكز حساسة في الدولة أو مارس سلطة وشارك في صناعة القرار اللبناني.
احتكار التمثيل الشيعي
رغم كل ذلك، فقد قال غالبية المقترعين الشيعة كلمتهم وحسموا في الظاهر خيارهم بمنح الثنائي الشيعي ثقة وتفويضاً في تدبير الشأن البلدي. ورغم أن العمل البلدي ليس سياسيا بقدر ما هو نشاط إداري وخدماتي، إلا أنه يمنح الثنائي قدرة التواصل المباشر والمفصل مع البيئة الشيعية أفراداً وعائلات، ويوفر لهما أرضية صلبة بل حصرية في الحضور الميداني والمجتمعي، وقدرة استخدام للموارد والنفوذ اللتان توفرهما المجالس البلدية بخوض المعركة النيابية بأريحية وثقة عاليتين. وذلك لغرض تأكيد المؤكد، وهو احتكار التمثيل الشيعي على المستوى السياسي، وسد منافذ الاختراق ولو الضئيل أو المحدود. ما يضمن للثنائي الشيعي، بهئيته الحالية من بنية تنظيمية وقيادات ورموز وخطاب وثقافة، الاحتفاظ بعمقه المجتمعي وشرعيته السياسية وقوة تمثيله الحصري للشيعة في أية معادلة حكم أو بنية سلطة جديدة في لبنان أو ترتيبات إقليمية قادمة.
حرص حزب الله الحاد ومعه حركة أمل بمنع التنافس الانتخابي في أكثر القرى والبلدات، دليل على تخوف الحزب من إظهار المزاج الجديد وإبرازه داخل البيئة الشيعية
هذا لا يعني أن حزب الله سيحتفظ بسرديته السابقة، المتمثلة بخطب نصر الله ذات السقوف العالية والشعارات المغالية والثقة المفرطة بقدرات الحزب العسكرية والقتالية، وادعاءات الحق بممارسة مهام إقليمية عابرة لحدود لبنان. فهذا أمر انتهى، بعدما عرَّت الأحداث الأخيرة جميع هذه الادعاءات، وبات السلاح فاقداً لأدنى مقومات الاستمرارية والبقاء. ما يجعل مماطلة الحزب في تسليم سلاحه إلا جزء من لعبة مقايضة ومساومة يمارسها ليحصل بالمقابل على أثمان سياسية من قبيل تخفيف الضغوط الدولية عليه وإزاحته عن لوائح الإرهاب ووقف الملاحقات القانونية بحقه في أكثر بلدان العالم، إضافة إلى الاعتراف به ظاهرة سياسية مشروعة. وهذا هو الثمن الأقصى الذي يمكن تحصيله مقابل سلاحه الذي بات فاقد الصلاحية من حيث قدراته فضلا عن شرعيته، ولا مكان له في ترتيبات المنطقة الجديدة.
الرهان المكلّف للحزب
أما ما يراهنه بعض السذج أو الطوباويين داخل الحزب وخارجه، على المماطلة لكسب الوقت بانتظار متغيرات قادمة تعيد للمحور الإيراني زخمه وحضوره السابق، بالتالي استعادة الحزب لوضعيته السابقة، فهو رهان مُكلف للحزب من جهة، تجلى في التدمير الممنهج والقتل اليومي لكوادره وقادته الأمنيين من قبل إسرائيل برضى وإمضاء دوليين، من دون أن يكون الحزب نفسه قادراً على حماية نفسه وحماية عناصره وقادته، ويتسبب هذا الرهان من جهة أخرى بتضييع فرصة الحزب في اكتساب مشروعية سياسية واعتراف ضمني به في ظل المتغيرات الكبرى التي حصلت في المنطقة. وهي متغيرات بنيوية تلفظ كل من لا يتناغم مع منطقها الجديد، وتسحق كل من يواجهها.
الشيعي عموماً، والجنوبي خصوصاً، في حالة ألم ومأساة وقلق من تبعات الحرب ومآلاتها. بالتالي هو في وضعية مرتبكة تجعل خياراته مشوشة وضبابية
هل نتائج الإنتخابات البلدية الكاسحة لصالح الثنائي، دليل جلي على عدم وجود تغير ملموس وقوي في المزاج الشيعي تجاه مترتبات الحرب الكارثية التي خاضها حزب الله ضد إسرائيل، وعلى غياب رغبة جدية في تغيير التمثيل الحصري للثنائي والذي استمر بوضعيتها الحالية لعقود؟ لا يمكن الجزم بهذا الاستنتاج لعدة أسباب.

أولها أن حرص حزب الله الحاد ومعه حركة أمل بمنع التنافس الانتخابي في أكثر القرى والبلدات، دليل على تخوف الحزب من إظهار المزاج الجديد وإبرازه داخل البيئة الشيعية، كما إن فوز أكثر المجالس البلدية بالتزكية منع ظهور هذا المزاج وحرمنا فرصة التعرف إليه. فالتزكية، بطريقة تدبيرها وتعليبها، هي فرض أمر واقع مدبر بغرف مغلقة، وقمع للناخب نفسه ومصادرة لإرادته وطمس لميوله وتطلعاته المستقبلية، إضافة إلى التعمية على القناعات والقناعات الجديدة التي ولدتها تجربة الحرب العبثية الأخيرة التي خاضها حزب الله .
ثانيها، أن الفرد الشيعي عموماً، والجنوبي خصوصاً، في حالة ألم ومأساة وقلق من تبعات الحرب ومآلاتها. بالتالي هو في وضعية مرتبكة تجعل خياراته مشوشة وضبابية. كما إن الفترة الفاصلة بين انتهاء الحرب والانتخابات البلدية، غير كافية عند الفرد والجماعات في مراجعة خياراتهم وتعديل وجهتهم. فالتحول المجتمعي لا يحصل فجأة بين ليلة وضحاها، بل يحصل تدريجيا وببطء وفي مناخ خالً من الضغط المعنوي والنفسي الذي مورس بشراسة داخل البيئة الشيعية، وفي وضع قانوني يحمي الفرد من ظروف نقاش متاحة للرأي والرأي المضاد بعيدا عن منطق التخوين وأساليب الترهيب، وفي ظروف مستقرة وأمنة على عكس الوضع الامني المتوتر الذي تفرضه إسرائيل ويلقي بثقله على الوضع الحياتي للجنوبيين.
عجز الطرف المعارض للثنائي عموماً وحزب الله على وجه الخصوص، إما فشلاً أو قصوراً، في تأسيس هيكلية منظمة وخلق حالة فاعلة، مؤهلة أن تكون خياراً ثالثاً منافساً وقوياً داخل المجال الشيعي،
ثالثها: فشل الدولة حتى الساعة في فرض هيبتها، وفي ردم الفجوة بينها وبين المواطن عموماً، وفي بناء رابط الثقة بينها وبين الشريحة الإجتماعية المنكوبة جراء العدوان الإسرائيلي الوحشي على لبنان، وفي ملء الفراغات التي ولدتها أو أرغمت عليها ما يغري آخرين من خارج الدولة بملئها. فمشروع الدولة ليس فكرة نتمثلها، بل واقع يختبره الفرد وتعيشه الجماعات. وحين تفشل الدولة في تفعيل حضورها في يوميات الفرد وتعجز عن إثبات حصريتها في توفير الأمن الوجودي للفرد والجماعات، فإن هذا الفرد وهذه الجماعات سيبحثان عن مصادر أمان بديلة، حتى لو أدى ذلك إلى تغييب فكرة الدولة في وعيه وانسحابها الكامل من حياته.
رابعها: أن إظهار الميول والتغيّر في مزاج المجتمع لا يتم بنحو تلقائي وعفوي، وإنما عبر مناخ مفتوح على تعدد الآراء والمواقف، وعبر قوى سياسية وهيئات مدنية تضع أمام الفرد جيع الإحتمالات الممكنة، وعبر غياب خطاب رديف توفره جهة منافسة للثنائي تضمن وجود خيارات متعددة أمام المقترع. فالتحالف الثنائي هو حلف ضد المقترع لمصادرة خياراته ورسالة حازمة له بأنك فاقد الأهلية في تقرير مصيرك كونك ما زلت قاصراً وبحاجة إلى من يقرر عنك.
غياب الخطاب الرديف
مع غياب خطاب آخر رديف، ذي قدرة تواصلية وإقناعية تلامس هواجس ومخاوف وتطلعات البيئة الشيعية الخاصة، فإن المقترع سيكون أسير خيار واحد وخطاب واحد وموقف واحد، بالتالي يكون مسلوب الحرية كون الحرية السياسية تقوم على اعتماد خيار من بين عدة خيارات محتملة ومتوفرة. غياب الخطاب الرديف سببه حرص الثنائي على قمع أي مسار منافس أو طروء خيار جديد داخل البيئة الشيعية من جهة. وسببه أيضاً عجز الطرف المعارض للثنائي عموماً وحزب الله على وجه الخصوص، إما فشلاً أو قصوراً، في تأسيس هيكلية منظمة وخلق حالة فاعلة، مؤهلة أن تكون خياراً ثالثاً منافساً وقوياً داخل المجال الشيعي، تملك طاقة إقناعية وكفاية تواصلية مع مختلف مكونات البيئة الشيعية وجدارة إظهار وكشف وتعبير عن ميول ورغبات وقناعات جزء معتبر من هذه البيئة وإخراجها من كمونها ومنحها الضوء لترى النور. أي حالة لديها حيثية اجتماعية عميقة من جهة تظهر الجانب الكامن والمقموع والمخفي في ميول وقناعات البيئة الشيعية، وحيثية سياسية من جهة أخرى تمكنها من تحقيق اختراق تمثيلي يكسر جمود الاحتكار النيابي الصلب داخل البرلمان.
الانتخابات فرصة إظهار المزاح المجتمعي والتعرف إلى ميوله ومتغيراته حتى لو كانت طفيفة، ومحطة مفصلية في ممارسة الفرد لحريته بالتعبير
الانتخابات فرصة إظهار المزاح المجتمعي والتعرف إلى ميوله ومتغيراته حتى لو كانت طفيفة، ومحطة مفصلية في ممارسة الفرد لحريته بالتعبير عن خياراته وتقرير مصيره بتحديد من يتولى تدبير أموره الخدماتية والسياسية. هذا لا يكون إلا بوجود تعددية لا تحصر خيار المقترع بخيار واحد يملى عليه، وإنما بوجود تنافس فعلي بين قوى متعددة تضع أمام الناخب خيارات فعلية متعددة تمكن الناخب من الاختيار بين بدائل متكافئة. ومع خنق الخيارات وحصرها بخيار واحد، نكون أمام نموذج حكم الحزب الواحد، الذي لا يكتف بتأبيد سلطته وإنما بإيهام الناخب أنه قدره الغيبي ومصيره المحتوم. عندها لا تعود الانتخابات فعل حرية وحدثاً ديمقراطياً، بل مناسبة لاختبار درجة ولاء الفرد والمجتمع لسلطة ترفعت عن المسائلة والمحاسبة إلى درجة أنها نسيت أن هنالك مقترع أو مجتمع أو شعب تحتكم إليه ويقرر بقاءها ومصيرها. بالتالي نكون أمام مشهد تنازل إكراهي وطوعي من الفرد والجماعات عن حقوق يفترض أن تكون في طبيعتها وحقيقتها غير قابلة للتنازل أو للانتزاع من أحد. الإنتخابات ممارسة إرادة حُرَّة لا فعل تنازل.

