الترشح الى عضوية المجلس البلدي من دون إذن بحد ذاته يعبر عن جرأة عالية في القرى ذات الغالبية الشيعية، لذا فمن ترشح وأعلن استمراره في الترشح يعبر عن موقف شجاع يمكن وصفه بالبطولي، سواء كان المرشح معارضا او غير معارض للأحادية الممثلة بحزب الله وحركة امل، فسطوة الحزبين المذكورين التي تراجعت على المستوى اللبناني، وازدادت في الحيز الشيعي، مع انكفاء الدولة واجهزتها المحايدة عن توفير الحد المطلوب لقيام تنافس انتخابي في البلدات والقرى، وتركت المواطنين نهبا لتوافق سلطتي الأمن الميليشيوي والحزبي المدعم من كافة مؤسسات الدولة.
مقولة التوافق او التزكية، فُرضت فرضا كما كان الحال في السابق نيابيا وبلديا، والمحاسبة فعل حرمة وخيانة، لأن محاسبة المجالس البلدية هو خيانة لدماء الشهداء، ولو كان هذا المجلس او ذاك مكللا بالفشل او غارقا في وحل الفساد، او مجرد مأمور للرابط الحزبي او المسؤول الحركي.
هيمنة حزبية
يعرف ابناء البلدات والقرى في تلك المقاطعات المسماة “بلديات شيعية” ان وظيفة المجلس البلدي يختصرها فرد او اثنان، يعملان اولا واخيرا، بأمرة الجهة الحزبية، وينفذان متطلبات الجهاز الامني والعسكري المسمى “مقاومة” ويخضع لاولويات يحددها مجلس العمل البلدي التابع لحزب الله بشكل خاص، وهو مجلس غير معني بأي مساءلة او نقاش او حتى كشف الموارد المالية الواردة لصندوق البلديات وكيف تم صرفها او انفاقها وعلى ماذا ولمن.
المحاسبة فعل حرام، اذ كيف يمكن محاسبة مجلس بلدي ينفذ اوامر حزبية وغير معني بمكاشفة الناخبين، وهو يتزين بدم الشهداء، بل كيف يمكن ان يخطئ من يغرف من بحر دماء الجرحى والشهداء، ولو كانت هذه الدماء سبيلا لاخفاء الفساد والتقصير وسوء الادارة، وطالما ان السلطان الحزبي او المتسلط هو ظل الله على الأرض، ولا تعنيه المساءلة والمحاسبة لقراراته، فبالتأكيد لن يقبل ان يحاسب او يساءل طالما انه يعتبر ان ما يقوم به هو فعل من الله، فمن يرفض ان يساءل عن اخطاء كارثية كالحرب وقرارها وتداعياتها، كيف سيقبل بأن يحاسب الناخبين مجلسا بلديا، هو من عندياته الربانية؟
التسلط وصل الى حد فرض الأحادية على الناخبين، والتجرؤ على فرض التزكية، بالتهديد المسموم بابتسامة صفراء، او الوعيد المدجج بثمن غال على الخروج على الاحادية الحزبية.
باختصار البلدات الشيعية هي حصة الأحادية الحزبية، ومشكلة اقرانها في الطوائف الأخرى، انها كانت تتطاول على حصة الطوائف الأخرى، سنة ودروزا ومسيحيين، وطالما ان هذه الأحادية لا تمد يدها الى جيوب الطوائف الأخرى فلتفعل ما تريد في ملعب الشيعة، ولعل لأئحة التوافق الحزبي في بيروت خير دليل ومؤشر على اسلوب التفكير بين اطراف المنظومة الذين لا يجدون ضيرا في قسمة الجبنة بالتساوي بين اكلتها.
غياب الدولة
الدولة بأجهزتها لم تزل غائبة على رغم البيانات الاممية والمحلية عن مصادرة السلاح وتعزيز الانتشار في البلدات والقرى جنوب الليطاني على وجه التخصيص، هيبة الدولة غير موجودة، لا مقابل سطوة الاحادية الشيعية ولا قبالة اسرائيل، وتلك الأخيرة تفرض ما تشاء على من تشاء من قوى الهية او حركية، فضلا عن الدولة.
والناس تدفع ثمن هزيمة هؤلاء بمزيد من استلحاقها واستعبادها ليس للدولة، بل لفرق حزبية لا طموح لديها سوى التسلط.
لذا فان المرشحين الذين رفضوا الاستتباع او النزول عند رغبة الرابط الحزبي وسيستمرون في منع التزكية، يستحقون ان يكونوا مثال المواطن الشريف، لأنهم بذلك يؤكدون ان الانتخابات حق دستوري يجب ان يمارس، وان العمل البلدي يتطلب مساءلة ومحاسبة لكي يستقيم، وان في الفضاء الاجتماعي الكثير من الطاقات المميزة التي يجب ان لا تبقى بعيدة عن مركز القرار البلدي في بلاد دمرتها الأحادية قبل ان تستكمل اسرائيل عملية التدمير الممنهج والمديد.
اقرا ايضا: الشيعة في بعلبك ركيزة القرار..لا وقودا للفتنة

