بعد إقرار القانون في مجلس الوزراء.. ماذا تعني استقلالية القضاء؟

قصر العدل

أقَرَّ مجلس الوزراء، خلال جلسته المنعقدة اليوم في السراي الحكوميّ، مشروع قانون استقلالية القضاء العدليّ. ويُعَدّ إقرار مشروع القانون خطوةً مفصليةً في سياق تعزيز استقلاليّة السّلطة القضائيّة، أحد الشروط الأساسيّة الّتي وضعتها الهيئات الدوليّة، وعلى رأسها صندوق النقد الدوليّ، ضمن حزمة الإصلاحات المطلوبة لانهاض الدولة اللّبنانيّة ومؤسّساتها، وإعادة بناء ثقة المجتمعَيْن المحليّ والدوليّ بمنظومة العدالة في البلاد.

ويعتبر إقرار هذا القانون في حكومة الرئيس نواف سلام إنجازا متقدما، كما يأتي في سياق الإصلاحات التي وعد بها رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون في خطاب القسم، وبعدما تعرض القضاء في لبنان إلى جملة مشكلات في معرض تأديته وظيفته وفي مقدمها “تعطيل الهيئات القضائية مثل مجلس القضاء الأعلى والتفتيش القضائي”، إضافة إلى “الشغور في عديد من المراكز القضائية الناتج من تقاعد أو وفاة أو استقالة عدد من القضاة من دون أن تنظم مسابقة لدخول قضاة جدد منذ عام 2018”.

قانون استقلاليّة القضاء

ويتضمّن القانون بنودًا تتعلق بطريقة تعيين أعضاء مجلس القضاء الأعلى، وتنظيم التشكيلات القضائية، وإجراءات تقييم القضاة، فضلًا عن نصوص تضمن فصل السلطة القضائية عن التأثيرات السياسية والضغوط الخارجية، وهو ما شددت عليه تقارير صادرة عن لجنة البندقية التابعة لمجلس أوروبا ومنتدى العدالة اللبناني.

ويُنتظر أن يُحال مشروع القانون، بعد إقراره في الحكومة، إلى مجلس النواب لإقراره نهائيًّا، وسط دعوات من الهيئات القضائية والحقوقية إلى مناقشته بشفافية، وإدخال التعديلات اللازمة لتعزيز فاعلية القضاء وضمان استقلاليته التامة عن السلطة التنفيذية.

ماذا تعني استقلالية القضاء؟

استقلالية القضاء هي العقيدة القائلة بأن القرارات القضائية يجب أن تكون حيادية وغير خاضعة لنفوذ الفروع الأخرى للحكومة (التنفيذية والتشريعية) أو لنفوذ المصالح الخاصة أو السياسية، وبعبارة أخرى ما يسمى فصل بين السلطات الذي يمكن تلخيصه بمقولة لادوارد جيبون صاحب كتاب «اضمحلال وسقوط الامبراطورية الرومانية» والتي تعود إلى عام 1776، تلخص مبدأ الفصل بين السلطات في أن (مزايا أي دستور حر تعدو بلا معنى حين يصبح من حق السلطة التنفيذية ان تعين أعضاء السلطة التشريعية والقضائية) ففي معظم الحالات يتم ضمان استقلالية القضاء من خلال إبقاء القضاة لمدد طويلة وأحياناً مدى الحياة في مناصبهم وجعل إزاحتهم من مناصبهم أمراً صعباً.

مفهوم استقلالية القضاء حسب الأمم المتحدة

ويكمن مفهوم إستقلالية القضاء، بحسب الأمم المتحدة بقدرة كل قاضي على إتخاذ قراره او حكمه في الدعاوى والنزاعات المعروضة عليه بعدالة وحياد، دون تدخل جهات خارجية، اكانت من قضاة آخرين أو من أشخاص او مؤسسات، مهما على شأنهم.

استقلالية القضاء هي العقيدة القائلة بأن القرارات القضائية يجب أن تكون حيادية وغير خاضعة لنفوذ الفروع الأخرى للحكومة (التنفيذية والتشريعية) أو لنفوذ المصالح الخاصة أو السياسية

ويعني أيضًا ان يرعى مجلس قضاء اعلى شؤون القضاة والمحاكم ويحمي مصالحهم واستقلاليتهم ويعززها، وأن يكون بدوره مستقل عن التدخلات من أية جهة كانت.

وتعتبر أن استقلالية القضاء تحميها ضمانات مناسبة لتحقيق ما يلي:
(أ) تعيين القضاة وفق معايير الكفاءة والنزاهة؛
(ب) توفير ضمانات خاصة تتعلق بالترقيات وبالمناقلات والتشكيلات؛
(ج) وحمايتهم من أي تعسف في انزال العقوبات بهم، مع اخضاعهم لآليات التفتيش والتأديب المناسبة.

كذلك، للقضاة أن يمارسوا حريتهم في التعبير وإنشاء جمعيات وفق المعايير الدولية.

كما يجب مراجعة وتعديل القوانين التي تنظم عمل القضاء بكل أنواعه للوصول للإستقلالية المنشودة؛ ويعني ذلك كل من القضاء العدلي (وهو موضوع اقتراح قانون قيد المناقشة في مجلس النواب)، والمجلس الدستوري، ومجلس شورى الدولة وديوان المحاسبة والمحاكم العسكرية. وهذه التعديلات تشمل عضوية مجلس القضاء الاهلى وصلاحياته، وكيفية تشكيل المجلس، وطريقة عمله.

أوجه استقلالية القضاء

وحسب “المفكر القانونية” فإن استقلالية القضاء مفهوم مركّب، يَحتوي على أوجه عديدة ويصعب تالياً تعريفه. ومن المهمَ الإحاطة بهذه الأوجه كاملةً كي لا تتمّ حماية بعضها على حساب بعضها الآخر. فنحصّن الاستقلالية في مكان على نحو من شأنه أن يضربها في مكان آخر.

يكمن مفهوم إستقلالية القضاء، بحسب الأمم المتحدة بقدرة كل قاضي على إتخاذ قراره او حكمه في الدعاوى والنزاعات المعروضة عليه بعدالة وحياد، دون تدخل جهات خارجية

ولتوضيح هذه الأوجه، من المفيد عرض مجموعة من التصنيفات الثنائية التي تسمح باستعراض المفاهيم المختلفة المنضوية تحت تعبير “استقلال القضاء”. واعتمدت لهذه الغاية خمس تصنيفات وهي:
الاستقلالية الوظيفية/الاستقلاية العضوية، الاستقلالية المؤسساتية/الاستقلالية الذاتية، الاستقلالية الخارجية/الاستقلالية الداخلية، القاضي الطبيعي/المحاكم الاستثنائية، وأخيراً الحياد/الاستقلالية.

ومن المهم التوضيح أن أياً من هذه التصنيفات لا يختصر مفهوم الإستقلالية بل أن تعريفه الأشمل يتكوّن من التقاطع في ما بينها جميعاً.

الاستقلالية العضوية /الاستقلالية الوظيفية

لاستقلالية القضاء في التصنيف الأوّل المعتمد وجهان: أحدهما عضويّ، والآخر وظيفيّ.

الاستقلالية العضوية، هي الاستقلالية بالمعنى المتداول أي النظام القانوني (statut légal) الذي يحمي القضاة والقضاء من أية تبعيّة لسلطة أخرى ومن أي تدخّل أو ضغط خارجيّين. وتفترض حماية هذه الاستقلالية وضع مجموعة من القواعد الآيلة إلى تحصين القضاة وحمايتهم. وتنظَم هذه القواعد بشكل خاص مختلف مراحل المسار المهني للقضاة (حقوقهم وحصانتهم، وطرق تعيينهم وأمنهم الوظيفي، وحماية إستقلاليتهم المالية).

كما تفترض ضمان حماية القضاة إزاء أي تدخَل أو ضغط يمارس عليهم، سواء كان ترهيباً أم ترغيباً. وهذا هو الوجه الذي سنتطرّق اليه مفصَلاً في الجزء الثاني من العرض، عند عرض ضمانات استقلالية القضاء.

ومن هذه الزاوية، تُعدّ التشريعات التي تبيح التدخَل بشكل أو بآخر أو تخفَف من ضمانات القضاة انتهاكاً لهذه الاستقلالية. وهذا ما يدفع العديد من الدول إلى دسترة هذه الضمانات إستباقاً لأي تشريع مماثل.

أما الاستقلالية الوظيفية فهي تعني استقلالية القضاء كسلطة ووظيفة، وهي تتأتَى مباشرةّ من مبدأ فصل السلطات. وتعني الاستقلالية الوظيفية أن للسّلطة القضائية الولاية الحصرية على كافة المسائل ذات الطبيعة القضائية.

وهذا ما يشير اليه المبدأ رقم 3 من المبادئ الأساسية للأمم المتحدة. وبشكل متلازم، لا يجوز للسلطتين التنفيذية أو التشريعية التعرّض للوظيفة القضائية.

وتنصَ المادة 6 من إعلان Singhviأنه لا يجوز لأي مرسوم تشريعي أو تنفيذي المساس بمفعول رجعي بقرار قضائي لتغيير وجهته أو تغيير تشكيل المحكمة للتأثير على قرارها.

ان مبدأ الاستقلالية مرتبط ارتباطاً وثيقاً بقضاء محايد أو غير متحيّز. فحتىلو كان القضاء مستقلاً، لا تكون شروط المحاكمة العادلة مستوفاة إن انتفت حيادية المحكمة

ومن باب أولى، لا يجوز نقض أو تعديل القرارات القضائية من قبل سلطة غير قضائية. وهذا ما ينصَ عليه المبدأ رقم 4 من المبادئ الأساسية للأمم المتحدة.

ومن أهم تطبيقات الاستقلالية الوظيفية فيما يعني الوضع في لبنان، أنه لا يجوز للسلطة التنفيذية إعاقة تنفيذ حكم قضائي. وهذا ما دفع دولاً عدّة إلى استحداث وسائل لفرض تنفيذ الأحكام ضد الدولة كالإمكانية المتاحة للقاضي بفرض عقوبات شخصية على الموظفين العموميين الذين يتوجَب عليهم تنفيذ الأحكام الصادرة ضد إحدى إدارات الدولة. كما يشكّل ربط الصلاحية القضائية بقرار من السلطة التنفيذية تعدّياً على السلطة القضائية.ويطرح المجلس العدلي في لبنان مثلاً إشكالية مهمَة في هذا الإطار اذ أن احالة الدعوى اليه تتمّ بموجب مرسوم يُتخذ في مجلس الوزراء.

لا يجوز نقض أو تعديل القرارات القضائية من قبل سلطة غير قضائية. وهذا ما ينصَ عليه المبدأ رقم 4 من المبادئ الأساسية للأمم المتحدة

بخصوص استقلال الوظيفة القضائية عن السلطة التشريعية، لا يجوز للمشرّع أن ينتزع بواسطة القوانين من السلطة القضائية سلطانها أو أن يفرَغها من مضمونها. وهذا لا يعني أن على المشرّع الامتناع عن التشريع في مسألة لمجرّد كون قضية مدنية أو جزائية عالقة أمام القضاء. إلاَ أن توقيت وطريقة تدخّل المشرَع مهمان هنا، كما أنّ على هذا التدخل أن يكون مرتبطاً بمصلحة عامة ملحّة، من المهم إثباتها. وتقيّم مثلاً مدى مشروعية العفو العام بناء على هذه الاعتبارات.

الاستقلالية المؤسساتية/الاستقلالية الذاتية

يسمح لنا إعتماد هذا التصنيف بالإضاءة على مبدأ استقلالية القضاء من زوايا مختلفة. وهو التصنيف الأكثر تداولاً، ويرادف التصنيف المعتمد بين استقلال القضاء (كمؤسسة) واستقلال القاضي أو المحكمة.

واستقلال القضاء يتصل بمنعة القضاء كمؤسسةتجاه السلطات الأخرى، فعلى القضاء أن يكون محصَناً كمؤسسة ضدّ تدخَل السلطات الأخرى أي التشريعية والتنفيذية. وتتعلّق هذه الاستقلالية بمنظومة ممارسة الوظيفة القضائية système d’exercice de la fonction juridiqueوليس بالوظيفة نفسها التي تشملها الاستقلالية الذاتية أو الفردية.

وغالباً ما يتمحور النقاش بخصوص هذا النوع من الاستقلالية حول مدى استقلالية الهيئات المنشأة نفسها وصلاحياتها والأهم حول قوة السند القانوني لإنشائها وتحديد صلاحياتها، وتحديداً في ما إذا كان النص المنشئ لها ذا قوة دستورية أو قانونية محض، بحيث يكون بإمكان المشرَع مراجعته من دون أي ضوابط. أما الوجه الآخر للاستقلالية أي الاستقلالية الذاتية فيتصل بمنعة كلّ قاضٍ شخصياً في أداء مهمّته إزاء أي كان، وضمناً تجاه سائر القضاة أو الهيئات القضائية الأخرى التي قد تتدخَل تعسَفاً في أعماله. وبخلاف الوضع بموجب الدستور اللبناني حيث يذكر وجه الاستقلالية الذاتية وحده،نجد وجهي الاستقلالية المؤسساتية والذاتية على صعيد عدد من الدساتير الوطنية، كما هي الحال في الدستورين الجديدين المصري والتونسي.

ووجها الاستقلالية هذان متداخلان بشكل كبير. وفيما يُفترض أنّ يعزّز أحدهما الآخر، فإن خطاب تعزيز الاستقلالية المؤسساتية يُستخدم أحياناً لضرب الإستقلالية الفردية للقضاة، كأن يتمَ تعزيز سلطات الهيئات الناظمة للقضاء مع تجريد القضاة من أي حماية إزاء تعسفها. وتفيد تجارب دول عدّة أنّ الهيئات القضائيّة المنشأة التي تفتقر غالباً إلى الاستقلالية، غالباً ما استُخدمت أو تُستخدم لضرب استقلال القضاء والتدخَل في أعماله من خلال الصلاحيات المناطة بها. وفي هذه الحالات، بدل أن تكون هذه المجالس حصناً لاستقلال القضاء حسبما يفرض عليها سبب وجودها، تتحوَل إلى ما يشبه الذراع الخفية للسلطة السياسية للتدخَل في أعماله. ومن هنا أهمية أن تُدرس الاستقلالية المؤسساتية بالتوازي مع الاستقلالية الذاتية للقضاة والمحاكم.

الاستقلالية الخارجية/الاستقلالية الداخلية

هذه الاستقلالية تعني استقلالية القاضي إزاء أي نوع من التدخلات أو الضغوط في مجرى حكمه بقضية محدّدة. ويحوي هذا الوجه بدوره على بعدين، الأول خارجي ضد الضغوط الممارسة على القاضي من خارج السلطة القضائية، والآخر داخلي وهو يضمن عدم تعرّضه الى أي ضغط من داخل الجسم القضائي من قبل الهيئات القضائية وزملائه، خصوصاً الذين يتوّلون مناصب قضائية عليا وبالأخص مناصب مؤثَرة في مساره المهني. وتشير الفقرة 3 من إعلان Singhviإلى استقلالية القضاة عند اتخاذ أحكامهم من زملائهم ورؤسائهم من القضاة، وأن أي تنظيم تراتبي للقضاء أو فارق في الرتبة أو المرتبة يجب ألاَ يؤثر بأي شكل من الأشكال على حرية القاضي في اتخاذ حكمه بحرية.

استقلال القضاء يتصل بمنعة القضاء كمؤسسةتجاه السلطات الأخرى، فعلى القضاء أن يكون محصَناً كمؤسسة ضدّ تدخَل السلطات الأخرى أي التشريعية والتنفيذية

ويتوجَب تالياً، صوناً لاستقلالية القضاء، وخلافاً لما ذهبت إليه مقالات عدة حول إصلاح القضاء، التحري ليس فقط عن كيفية تشكيل مجلس القضاء الأعلى وصلاحياته، انما أيضاً وربما بالدرجة الأولى، عن الضمانات الملازمة للقاضي والمرتبطة عضوياً ومباشرةً بالوظيفة القضائية، كمبدأ عدم جواز نقل القاضي أو حقه بالدفاع والتعبير والتجمَع والحصانة المتمتع بها، أو الحماية القانونية إزاء التدخَل في أعماله.

مبدأ القاضي الطبيعي/الطابع الاستثنائي للمحاكم

يشكّل مبدأ “القاضي الطبيعي” إحدى الضمانات الأساسية للحق بمحاكمة عادلة. وهو مبني على المبدأ المزدوج القاضي بالمساواة أمام القانون والمحاكم. ويعني أنه يحق للمتقاضين أن يُحاكموا بطريقة متساوية، أمام المحاكم نفسها وتبعاً للقواعد الإجرائية نفسها وتطبيقاً للأحكام القانونية نفسها. ولا تجوز ملاحقة أيّاً كان الّا من قبل محكمة عادية، سابقة الانشاء ومختصَة. وكمبدأ متلازم مع ذلك، يُحرّم انشاء محاكم طارئة أو مخصَصة لقضية ما أو استثنائية أو خاصة أو بأثر رجعيّ.

تجرَد القاضي/استقلالية القاضي

ان مبدأ الاستقلالية مرتبط ارتباطاً وثيقاً بقضاء محايد أو غير متحيّز. فحتىلو كان القضاء مستقلاً، لا تكون شروط المحاكمة العادلة مستوفاة إن انتفت حيادية المحكمة.

ويعتبر بعض الفقهاء أنه عند الوصول الى درجة نضج معيّن في نظام قضائي ما، ينتقل الاهتمام من مسألة الاستقلالية التي تكفّ عن كونها مشكلة بعد تكريسها في القواعد والأعراف، الى مسألة حياد القاضي التي تبقى دائماَ مسألة إشكالية. فإذا كانت الاستقلالية تعني عدم خضوع القاضي أو المؤسسة القضائية لأي ضغط مصدره خارجي من سلطة أو مؤسسة قضائية أخرى أو فرد آخر، فالتجرّد مصدره داخلي وهو متعلَق بعقلية القاضي وآرائه وأفكاره المسبقة والشخصية تجاه القضية أو الأفرقاء.

السابق
بالفيديو: وزارة الداخلية تنشر.. تعرفوا على دور المخاتير!
التالي
علي الأمين: «الحزب» يلجم العملية الانتخابية بـ«التزكية» خوفاً من النتائج!