إنتشرت في اليومين الماضيين تسجيلات للرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، وهي عبارة عن محادثات مع الرئيس الليبي معمر القذافي مؤرخة بتاريخ 3 آب 1970، وهي الفترة الفاصلة ما بين قبول مصر لمبادرة وزير الخارجية الأميركية وليم روجرز أثناء زيارة الرئيس المصري لموسكو وتأكيد هذا القبول في 22 تموز “يوليو” في ذكرى الثورة، وبين دخولها حيز التنفيذ في 8 آب من العام نفسه.
مبادرة روجرز
والمعروف أن مبادرة روجرز أُعلنت في 5 حزيران “يونيو” من عام 1970 وتنص على وقف إطلاق النار بين مصر وإسرائيل إبان حرب الإستنزاف لمدة 90 يوماً، يتم خلالها التفاوض لتنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي رقم 242، وهي المبادرة التي قبلها – كما بات معروفاً – جمال عبد الناصر في محاولة منه لكسب الوقت لإتمام بناء حاجز الصواريخ على الضفة الغربية لقناة السويس، بعد أن فاقت خسائر المصريين ال 4000 شهيد جراء الغارات الصهيونية وغياب أي غطاء أو دفاع جوي مصري، بينما إنهالت المزايدات عليه يومها حد إتهامه بالخيانة من أنظمة الرفض العربية في كل من سوريا والعراق والجزائر وحتى منظمة التحرير الفلسطينية.
تأتي هذه التسجيلات لتكسر كذلك الصورة النمطية لجمال عبد الناصر التي تراوحت ما بين شيطنته من ناحية، عبر إظهاره بمظهر الديكتاتور المغامر والمتهور واللامسؤول، وبين كونه ملاكاً من ناحية أخرى.
تأتي هذه التسجيلات اليوم التي تم نشرها على منصة تُعنى بتراث جمال عبد الناصر، ويديرها نجله عبد الحكيم الذي أكَّد وشقيقته الدكتورة هدى صحتها وأنها – أي التسجيلات – موجودة في مكتبة الأسكندرية، لتخلِّف صدمة ومفاجأة كبرى للرأي العام العربي الذي سمع و”عرف” الكثير عن عبد الناصر بما يخالف فحوى هذه التسجيلات، ولتلقي الضوء على تلك المرحلة الهامة من تاريخ المنطقة وما رافقها من أحداث، الأمر الذي يطرح بعض الملاحظات حولها وهي:
أولاً، أن هذه التسجيلات تُظهر بشكل واضح لا لبس فيه بأن جمال عبد الناصر ما قبل الهزيمة ليس هو ما بعدها، بحيث بدا أكثر واقعية وبُعداً عن خطابه السابق الذي كان مليئاً بالمبالغات والتحديات، وبدا رجلاً مسؤولاً هدفه إستعادة أرضه وعزة وكرامة بلده وشعبه في المقام الأول من دون أن يتنازل عن حق الشعب الفلسطيني في أرضه، لا بل بدا في خطابه الجديد أكثر حرصاً على الأرض الفلسطينية وخوفاً عليها من التهويد بمرور الوقت وهو ما حصل لاحقاً ويحصل يومياً للأسف .
اقرأ أيضاً: ’أيلول الأسود’ ورحيل جمال عبد الناصر
ثانياً ، هذه التسجيلات جاءت لتكسر كل السردية التي عممتها دول “الرفض” العربية ووسائل إعلامها ومن ضمنها الإعلام اللبناني التابع لها وقتها ونقولها بكل صراحة، هذه السردية التي أخذت من خطاب جمال عبد الناصر بعد الهزيمة جملة واحدة هي “ما أُخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة”، وبنت عليها كل مزايداتها وساهمت عبرها في تضليل الرأي العام العربي فيما بعد، وهي جملة حق إستخدمتها هذه الدول وأرادت بها باطل، فخاضت تحت لوائها الحروب الأهلية فيما بينها في كل من الأردن ولبنان وغيرها، لغايات أكثرها شخصي في صراع على الزعامة بعد غياب عبد الناصر نفسه ما أساء أكثر ما أساء لقضية فلسطين والثورة الفلسطينية .
ثالثاً ، تأتي هذه التسجيلات لتكسر كذلك الصورة النمطية لجمال عبد الناصر التي رسَّخها الإعلام التضليلي العربي للأسف سواء المؤيد منه لعبد الناصر أو المعارض له، والتي تراوحت ما بين شيطنته من ناحية، عبر إظهاره بمظهر الديكتاتور المغامر والمتهور واللامسؤول، وبين كونه ملاكاً من ناحية أخرى عبر إظهاره إنساناً “ثورياً” نظيفاً وزعيماً وطنياً مخلصاً وقديراً لا يخطئ، وكلا الصورتين كانتا غير صحيحتين وتضليليتين، وتتجاهل ما كان يحيط بالمنطقة من تعقيدات ومزايدات ومؤامرات وصراعات سواء دولية أم عربية بينية، وتأثير هذه الصراعات على تطور الأحداث في المنطقة، فجاءت هذه التسجيلات لتعطي ما يُشبه “صك براءة” لعبد الناصر – ومن بعده لخليفته أنور السادات – و”حرَّرته” مما لحق به من أوصاف، وذلك بإظهاره زعيماً وإنساناً طبيعياً يخطئ ويصيب ذا رؤية مستقبلية صقلتها التجارب والمحَن، سار على هديها وطبقها – بحسب تطور الأحداث – من بعده أنور السادات الأمر الذي يغيِّر في الكثير من الخلاصات السابقة والسائدة عن تلك الفترة، بغض النظر عما قد يكون إعترى الممارسة العملية من أخطاء .
رابعاً ، تُذكِّرنا هذه التسجيلات بأن الخطاب العربي “الخشبي” الذي لم يحرِّر يوماً شبراً واحداً من أرض فلسطين، لم ينتهِ كلياً مع إنطلاق عملية السلام بداية التسعينيات في مدريد التي أدت لتوقيع إتفاقيتي أوسلو ووادي عربة بين إسرائيل وكل من منظمة التحرير الفلسطينية والأردن، وذلك بعد “خراب” كل من بيروت وبغداد ودخول الجزائر في حرب أهلية طاحنة، وكذلك “هجرة” النظام الليبي من العروبة إلى الأفرقة – إذا صح التعبير – وبقي حياً عبر النظام السوري البعثي الذي أمدته الوصاية على لبنان التي عُهدت إليه من جانب أميركا بمباركة عربية يومها بالأوكسيجين، بحيث لم يتطور هذا الخطاب سوى بتغليفه بعدها بصبغة إسلامية وبلكنة إيرانية، أضافت إليه بعض الغيبيات التي أمدته بأوهام جديدة أدت إلى ما أدت إليه من تدمير للعالم العربي وآخرها ما حصل في لبنان ويحصل كذلك يومياً في غزة بإسم المقاومة والتحري.
اقرا ايضا: طبيب روسي يكشف اسرار مرض جمال عبد الناصر
هذا في الوقت الذي يتحدث فيه المعارضون لخط الممانعة اليوم، خصوصاً في فلسطين ولبنان، بحديث جمال عبد الناصر – يا للمفارقة – حينما يدعون للتعامل بواقعية مع التطورات، وذلك لإنقاذ ما يمكن إنقاذه جراء مغامرات محور الممانعة، بعيداً عن المزايدات الرخيصة التي لا تسمن ولا تغني من جوع، ويتعرضون للتخوين كما تعرَّض قبلهم عبد الناصر حسب ما جاء في التسجيلات بصوته، ومن بعده السادات وعرفات وغيرهم، الأمر الذي يدعو لإعادة صياغة تاريخ المرحلة وللخطاب السياسي والإعلامي العربي، صياغة موضوعية بعيداً عن التضليل عبر الإفراط أو التفريط، بحيث تكون هذه التسجيلات درساً ولو متأخراً في كيفية مقاربة الأمور المصيرية لأمة دمَّرتها نشوة الإدمان على الأوهام ، فهل نفعل؟

