لماذا لا يتخذ الشيعة موقفاً سلبياً من حزب الله؟
سؤال كثير التداول في الاوساط اللبنانية على مختلف مستوياتها. تكثر التحليلات وتُسْرد الكوارث التي حلت بالبيئة الشيعية وتداعياتها والمعاناة التي نتجت ولا تزال. مع ملاحظة يتم تداولها ايضا، في أن الناس يرغبون في التعبير عن مشاعر ومواقف محدّدة؛ غير أنهم يهابون الأمر- كأن قوّة خفيّة تراقبهم وقد تُعاقبهم.. فيتردّدون.
فبعد ان كانت الجنازات والمجالس والمواكب، وسيلة لتعزيز وحدة الجماعة حول خطاب “المقاومة”، تحولت الآن إلى “مناسبات وجع”، يتحدث الناس فيها عن ألم الخسارات لا التضحية، وعن الخيانة لا الوفاء.
غضب اخرس
كتبت صديقة جنوبية: “لقد انعدمت الثقة وغاب الأمان النفسيّ وحتى الكلامي.. وحدها الوجوه الواجمة والعيون الكسيرة تتكلّم.. رُبّما تنتظر من يفهمها فيساعدها على التطهّر من ذلك الشكّ في الآخر، وعلى المجاهرة بالحقيقة”.
الأرجح ان المسألة إذن قد تتعلق بعدم الثقة بالآخر، مهما كانت صفته. فالمقالات التي تصدر عمن يعيشون داخل هذه البيئة، يتلمسون وجود جو من الغضب، لكنه غضب أخرس.
يبدو ان هناك بداية لتشكّل وعي نقدي، ولو همسًا، حول جدوى “مشروع المقاومة”، حين يغيب الأمن والكرامة والحد الأدنى من مقومات الحياة، ويعطّل إعادة الاعمار.
لماذا إذن لا يخرج الأهالي في الجنوب كما خرج بعض الغزاويين للمطالبة بتسليم السلاح؟
الاسباب عديدة.في الواقع الحالي، حزب الله هو الوحيد تقريبًا الذي يقدّم مساعدات، مباشرة أو عبر جمعياته (مثل مؤسسة الشهيد، الهيئة الصحية، جهاد البناء…). اما الدولة فغائبة فعلياً، فلا خطط جدية لإعادة الإعمار، ولا خدمات، لا اهتمام بالصحة أو التعليم أو حتى المواساة المعنوية.
الطوائف الأخرى تقاوم بشدة فكرة أن تذهب مساعدات الدولة الى الجنوب، لأنه يمثل بنظرهم “بيئة الحزب”. مع ان من سلّم مقاليد السلطة في لبنان ومكّن الحزب من الهيمنة على البرلمان والحياة السياسية، تحت شعار “الكرسي مقابل السلاح”. هم هؤلاء المنتقدون الآن للشيعة عموماً، ولشيعة الحزب خصوصاً.
حزب الله هو الوحيد تقريبًا الذي يقدّم مساعدات، مباشرة أو عبر جمعياته (مثل مؤسسة الشهيد، الهيئة الصحية، جهاد البناء…). اما الدولة فغائبة فعلياً
ثم هناك شروط المجتمعين الدولي والعربي، بربط أي مساعدة لإعادة الإعمار، بالإصلاح وبتسليم السلاح، على الأقل بالتنسيق مع الدولة لا مع الحزب.
هناك ايضا العقبات الطائفية السياسية، ففكرة أن تموّل الدولة الجنوب، تُقرأ فورًا كمحاباة للشيعة. وبالنسبة للتمويل الدولي فهو مشروط: أي برنامج دعم يحتاج آليات شفافة وضمانات ألا تُستغل سياسياً أو عسكرياً. والواقع اللبناني لم يتغير بما يكفي لإعادة الثقة بقدرة الدولة على ملء هذه الشروط.
ناهيك عن غياب استراتيجية حكومية تضع خطة للإغاثة أو إعادة إعمار الجنوب.
من هنا نجد ان الحاضنة الحزبية للحزب، تعاني الارباك: الناس في الجنوب مضطرون لقبول مساعدات الحزب لأن لا بديل حاضر عنها. كما ان بعضهم قد يرفضون المساعدات البديلة لو شعروا أنها مشروطة سياسياً من موقع خصومة للحزب. انهم بحاجة الى الوقت لاستيعاب الأوضاع المستجدة.
يبدو ان هناك بداية لتشكّل وعي نقدي، ولو همسًا، حول جدوى “مشروع المقاومة”، حين يغيب الأمن والكرامة والحد الأدنى من مقومات الحياة، ويعطّل إعادة الاعمار.
ثم الخوف من البديل، فهناك نقص في الثقة بالدولة ومؤسساتها، نتيجة للإهمال والفساد المتماديين، اللذين يجعلان الناس يتمسكون بالجهة الوحيدة المنظمة والمسلحة.
يضاف اليها الترهيب الناعم، اذ ان النقد داخل البيئة الشيعية ليس سهلاً، وهناك ضغوط اجتماعية ومخابراتية لكتم أي اعتراض، خاصة العلني.
لكن هناك ما يتغير الآن ويساعد على وجود بوادر الاعتراض، بسبب ارتفاع كلفة الحرب على المدنيين. وصمت حزب الله المريب تجاه المعاناة اليومية.
اقرا ايضا: خاص: ماذا جرى مع الجيش اللبناني عقب القصف الإسرائيلي على الضاحية الجنوبية؟

