في تحرك مفاجئ ومثير للجدل، كسر رجل الأعمال السوري النافذ وابن خال الرئيس المخلوع، رامي مخلوف، صمته الطويل ليعلن عن تشكيل قوة عسكرية ضخمة تحت مسمى «قوات النخبة» قوامها 150 ألف مقاتل، مدعومة بما أسماه «لجان شعبية» تصل لمليون شخص، بهدف معلن هو «حماية الساحل السوري».
لم يتوقف مخلوف عند هذا الحد، بل شنّ هجوماً عنيفاً على ابن خاله بشار الأسد، واصفاً إياه بـ«الأسد المزيف»، ووجه رسائل متناقضة تجمع بين التهديد والدعوة للمصالحة، مناشداً روسيا والمجتمع الدولي لوضع الساحل تحت رعايتهم. فماذا يعني هذا الإعلان؟ وما هي أهداف مخلوف الحقيقية في سوريا ما بعد الأسد؟
من هو رامي مخلوف؟ من عرّاب الاقتصاد إلى المنبوذ العائد
لسنوات طويلة، كان ابن الخال القوي للرئيس المخلوع بشار الأسد، والرجل الذي أمسك بمفاصل الاقتصاد السوري. سيطر عبر إمبراطوريته الواسعة، وأبرزها شركة الاتصالات العملاقة «سيريتل»، على قطاعات حيوية تشمل الاتصالات، النفط، البنوك، العقارات، والتجارة.
كان يُنظر إليه كواجهة اقتصادية للنظام، ورمز للفساد وتزاوج السلطة بالمال، مما أدى إلى فرض عقوبات دولية عليه.
لكن شهر العسل بين مخلوف والنظام لم يدم. ففي عام 2020، وقبل سقوط الأسد بسنوات، اندلع خلاف حاد بينه وبين ابن خاله، اتخذ طابعاً علنياً عبر فيديوهات شهيرة نشرها مخلوف نفسه، متهماً الأجهزة الأمنية بمحاربته ومصادرة أمواله التي زعم أنها لدعم «فقراء الطائفة العلوية».
أدت الأزمة إلى تجريده من معظم نفوذه الاقتصادي ووضعه تحت ما يشبه الإقامة الجبرية، ليختفي عن الأنظار تقريباً حتى سقوط النظام في أواخر 2024، قبل أن يعود للظهور بهذه التصريحات النارية في أواخر نيسان الجاري.
دعوة نيسان: «قوات النخبة».. «النمر».. و«فتى الساحل»
في 27 نيسان الجاري، وعبر منشورات على صفحته على فيسبوك (المنصة التي استخدمها سابقاً لمخاطبة الجمهور)، أطلق مخلوف إعلانه المزلزل. أبرز نقاط دعوته كانت:
- تشكيل «قوات النخبة»: أعلن عن تشكيل 15 فرقة عسكرية من «القوات الخاصة» أو «قوات النخبة»، يبلغ تعدادها حوالي 150 ألف مقاتل، مع قوة احتياط مماثلة.
- «اللجان الشعبية»: ذكر أيضاً تجهيز «لجان شعبية» يصل تعدادها إلى «مليون شخص» مستعدين للتحرك.
- الهدف المعلن: أكد أن الهدف هو «الدفاع عن النفس» وحماية «إقليم الساحل السوري» من أي جهة تأتي «لذبحنا»، مشيراً إلى «مجزرة الساحل» (في إشارة إلى أحداث عنف طائفية وقعت في مارس 2025) كدليل على فشل الحكومة الجديدة في توفير الحماية. ورفع شعار «لا للانتقام».
- التحالف مع «النمر»: أشار مخلوف إلى أنه قام بتجهيز هذه القوات بالتعاون مع «صديق الروح، القائد النمر»، والذي تم التعرف عليه في تقارير إعلامية بأنه العميد سهيل الحسن، القائد العسكري البارز في جيش النظام السابق والمعروف بقسوته وولائه المطلق للأسد سابقاً، والذي تطاله أيضاً اتهامات بارتكاب جرائم حرب.
- الهجوم على الأسد: وصف بشار بـ«الأسد المزيف» و«الأسد الكاذب»، محملاً إياه مسؤولية سقوط سوريا لولا قيام مخلوف و«النمر» بمساندة الجيش «عسكرياً واقتصادياً وإدارياً» وتصحيح «أخطاء الصبيان الذين أغرقوا البلاد بالظلم والفساد».
- انتقاد الحكومة الجديدة: اتهم الحكومة الانتقالية بالفشل في حماية أهالي الساحل («لم تتمكنوا من حمايتنا من الذبح والقتل والخطف والسبي») وبالغدر به وبـ«النمر» بعد «تحرير البلاد».
- دعوة للمصالحة والتعاون: رغم لغة التهديد وتشكيل القوة العسكرية، مدّ مخلوف يده للحكومة قائلاً: «لتكن يدنا بيدكم لنتعاون على حماية البلد… تعالوا لننهي خلافاتنا وصراعاتنا فقد حان وقت المصالحة».
- ظهور «فتى الساحل»: أعلن بشكل غامض عن ظهور «فتى الساحل المؤيد بقوةٍ من الله، لنصرة المظلومين»، داعياً من يريد معرفته للبحث عنه «بصدقٍ وتدقيقٍ»، في إشارة إلى نفسه.
- مناشدة روسيا والمجتمع الدولي: دعا المجتمع الدولي، و«الأصدقاء في روسيا الاتحادية» بشكل خاص، لوضع «إقليم الساحل السوري تحت رعايتهم»، وعرض وضع «جميع إمكانياتنا الاقتصادية والعسكرية والشعبية تحت إشرافهم» كضمان لعدم السعي للانتقام.

طموحات مخلوف في سوريا الجديدة
تثير دعوة مخلوف العديد من التساؤلات حول دوافعه وأهدافه الحقيقية:
- توقيت مريب: يأتي الإعلان في ظل استمرار حالة عدم الاستقرار في سوريا، وضعف نسبي للسلطة المركزية الجديدة، وتوترات أمنية وطائفية في مناطق مختلفة، بما فيها الساحل الذي شهد عنفاً في مارس الماضي علق عليه مخلوف سابقاً.
- طموح سياسي وعسكري: هل يسعى مخلوف، بعد خسارة إمبراطوريته الاقتصادية، للعب دور سياسي وعسكري جديد مستغلاً نفوذه المتبقي وعلاقاته القديمة وولاءات محتملة داخل الطائفة العلوية أو لدى بعض القادة العسكريين مثل سهيل الحسن؟
- رسالة للحكومة الجديدة: قد تكون الدعوة رسالة ضغط على الحكومة الانتقالية، لإظهار قوته وقدرته على تحريك الشارع أو تشكيل قوة موازية، بهدف الحصول على تسوية ما أو دور في المستقبل.
- رسالة للخارج (روسيا): مناشدة روسيا مباشرة لوضع الساحل تحت حمايتها قد تكون محاولة لتدويل قضية الساحل أو للحصول على غطاء روسي لطموحاته، مقابل تقديم ضمانات اقتصادية أو عسكرية.
- مخاوف أم استغلال طائفي؟: بينما يتحدث مخلوف عن حماية الساحل من «الذبح»، وهو ما قد يلامس مخاوف حقيقية لدى البعض في الطائفة العلوية بعد سقوط النظام، يرى آخرون (بمن فيهم ناشطون علويون تبرأوا منه فوراً بحسب «المدن») أنه يستغل هذه المخاوف و«يتاجر بدم أهل الساحل» لتحقيق أهدافه الشخصية، وهو الذي كان جزءاً لا يتجزأ من نظام قمع جميع السوريين.
- مدى واقعية الأرقام: يبقى التساؤل حول مدى واقعية الأرقام التي طرحها (150 ألف مقاتل ومليون في اللجان الشعبية)، وقدرته الفعلية على تجنيد وتمويل وتسليح مثل هذه القوة الضخمة في الظروف الحالية. وهل ولاء سهيل الحسن (إن تأكد) له أم لمصالح أخرى؟

