اعادة هيكلة المصارف ورفع السريّة: معركة بين الاصلاح ومصالح الاحزاب الحاكمة!

الاقتصاد

في ظل الانهيار المالي، برزت إعادة هيكلة القطاع المصرفي كأولوية لإنقاذ الاقتصاد اللبناني. فقدّم نواب التغيير مقترحًا يحمّل المصارف والمساهمين الجزء الأكبر من الخسائر، خلافًا للحلول الحكومية التي حمّلت المودعين العبء الأكبر. لكنه واجه اعتراضًا من أحزاب سياسية دعمت رؤى مغايرة، فيما لا يزال يفتقر إلى التفاصيل التقنية والتشريعية اللازمة، التي تجعله يشكّل خطة إصلاحية غير متكاملة.

إصلاح المصارف بين الإنقاذ والمحاسبة

مقترحٌ هيّأ أرضية لنقاشٍ عام حول السياسات المالية القائمة، وضرورة فرض الشفافية والمحاسبة، فطرح إشكاليات كرفع السرية المصرفية باعتبارها سبيلًا لكشف المسؤولين عن الانهيار، ما يعيد الثقة بالنظام المالي اللبناني، ويمهّد لدعمه من صندوق النقد الدولي.

إلا أنه وإضافة إلى الملاحظات المحاطة به، تقف أمامه تحديات كبيرة أبرزها هيمنة القوى المسؤولة عن الانهيار على المجلس النيابي، وغياب آليات المراقبة واستمرار الفساد، ما يستدعي ضمانات تنفيذية حقيقية تفرض الشفافية وتوفر منصات دائمة للمراجعة. ورغم الدعوات لرفع السرية المصرفية، تبقى الإصلاحات مهددة بالتلاعب السياسي، مما يحدّ من فعاليتها.

المقترح تحت مجهر السياسة والشارع

سياسيًا، كسر مقترح “كلنا إرادة” نهج التطبيع مع الخسائر الذي اعتمدته الحكومة، وتسبب بتآكل أموال المودعين، لكنه واجه معارضة من أحزاب لبنانية بعضهم لأسباب اقتصادية ورؤى مغايرة، وبعضهم الآخر لحماية مصالحهم. فرغم الدعم الشعبي الواسع، رفضه حزب الله وحركة أمل خشية أن تؤدي الإصلاحات، لاسيما مكافحة الفساد وإعادة توزيع الموارد، إلى تقليص نفوذهما الاقتصادي في مناطقهم، ما يهدد شبكات المصالح التي بنياها وتشمل جمعيات ومؤسسات خدماتية وعقود متعهّدين وتوظيفات زبائنية.

في المقابل، عارض حزب القوات اللبنانية المقترح، معتبرًا أن إعادة توزيع الخسائر قد تضرّ بالاقتصاد على المدى الطويل، مشددًا على ضرورة استقرار القطاع المصرفي كشرط لأي حل جذري، داعيًا إلى ضمانات قانونية تحمي المودعين وتعزز الشفافية. أمام هذا الانقسام، تبرز الحاجة إلى حوار وطني جامع، يحول دون تسييس الإصلاحات ويضمن مقاربة عادلة وفعالة للأزمة.

نقد مقترح التغيير: تحديات التنفيذ وغياب الرقابة والمحاسبة

يأتي المقترح في ظل محاولات لتمرير خطط تُبرئ المصارف وتحمّل الدولة وحدها كلفة الخسائر، ما يهدد بزيادة الدين العام والمسّ بحقوق الشعب. بينما توزيع الخسائر كما ورد في مقترح “كلنا إرادة” يثير مخاوف من تحميل المودعين الصغار أعباء إضافية، خاصة إذا لم تُخصّص لهم تعويضات مناسبة، إضافة إلى القلق من نقل جزء من الخسائر إلى الدولة.

ومن أبرز مظاهر غياب الرقابة في القطاع المالي كان اعتماد “اللّولار”، أي الدولارات المحجوزة في المصارف والمُسددة للمودعين بالليرة بسعر صرف منخفض، ما شكّل اعتداءً صارخًا على حقوقهم. هذا النموذج عمّق الفجوة بين المواطنين والنظام المصرفي، واستمراره من دون محاسبة أو خطة تعويض شفافة يكرّس فقدان الثقة ويكشف عمق الأزمة البنيوية.

علاوة على ذلك، يفتقر المقترح إلى آليات تقييم أوضاع المصارف، وغياب المعايير الواضحة لتحديد المسؤوليات ونسب تحمّل الخسائر، وما إن كان النظام المصرفي يمتلك القدرة على الصمود في حال فرضت على المصارف الكبرى، وسط تدهور مالي كبير وغياب رقابة فعّالة. في ظل استمرار الفساد والانقسام السياسي حول آليات التنفيذ، تبدو فرص الإصلاح محدودة ما لم تعتمد آليات محاسبة تضمن العدالة في توزيع الخسائر.

رفع السرية المصرفية: مفتاح الإصلاح أم تهديد للثقة الدولية؟

في ظل الأزمة الاقتصادية، يبرز رفع السرية المصرفية، كخطوة أساسية لإعادة هيكلة القطاع المصرفي واستعادة الثقة بالاقتصاد. ومع سعي لبنان لنيل الدعم الدولي، يشكّل هذا الإجراء شرطًا ضروريًا لجذب الاستثمارات وتحقيق الاستقرار المالي.

ولكن رغم أهمية رفع السرية المصرفية في تعزيز الشفافية ومكافحة الفساد، يواجه تحديات تتعلق بالخصوصية، إذ قد يؤدي إلى فقدان ثقة المودعين والمستثمرين، وسحب ودائعهم في حال غابت ضمانات حماية لبياناتهم، أو أُسيء استخدام المعلومات المرفوعة عنها، ما قد ينعكس سلباً على استمراريتها. ولمعالجة هذه السلبيات، يجب أن يُرافق رفع السرية المصرفية إطار قانوني واضح يحدد الجهات المخوّلة بالاطلاع وآليات الاستخدام، مع أنظمة متقدمة لحماية البيانات وهيئات رقابية مستقلة لضمان الشفافية ومنع التسييس.

أما عن تعزيز ثقة المودعين والمستثمرين فيمكنها أن تمر عبر حوافز قانونية وضريبية، وتوقيع اتفاقات دولية لحماية المعاملات المالية من المخاطر القانونية. والتحدي الأكبر يكمن في قدرة لبنان على تنفيذ الإصلاحات في ظل الواقع السياسي والاقتصادي المعقد، ما يتطلب إرادة سياسية قوية وتنسيق بين الهيئات القضائية والرقابية لمكافحة الفساد وتعزيز الشفافية.

وفيما لو تم رفع السرية المصرفية بحذر ووضوح، يمكنه أن يكون مفتاحًا لإصلاح النظام المالي في لبنان، ولكن إذا فشل في تحقيق توازن بين الشفافية وحماية الخصوصية، قد يهدد الثقة الدولية ويعمّق الأزمة الاقتصادية.

التحديات التنفيذية للاصلاحات المصرفية

تتمثّل أهمية “رفع السرية المصرفية” من مبدأ ضمان الشفافية وكشف الانفلات المالي، بالإضافة إلى توزيع الخسائر بشكل عادل. فهذا الإجراء يتيح للمؤسسات الرقابية الاطلاع على الحسابات والعمليات المالية التي ساهمت في تردّي الوضع، كما يعزز استعادة الثقة بالمؤسسات المالية وسط اتهامات بالفساد والتهرّب الضريبي. من جهة أخرى، إن تفعيل القضاء المالي والرقابة الصارمة سيسهم بشكل كبير في إنهاء الإفلات من العقاب. وفي هذا السياق، تظهر تجارب دول مثل إيرلندا والولايات المتحدة إمكانية إصلاح القطاع المصرفي، إلا أن الفساد والأزمة السياسية في لبنان يزيدان من إرباك المهمة.

كما تبرز الحاجة إلى حماية حقوق المودعين الصغار وتوزيع الخسائر بشكل عادل، وهو يشكل تحديًا في ظل التركيبة الاقتصادية والاجتماعية للبنان. لكن النموذج القبرصي، الذي فرض خسائر على كبار المودعين، يشكل نموذجًا مشابهًا. ورغم الصعوبات، يمكن أن يسهم الدعم الدولي والحوار السياسي في دفع الإصلاح، مع التركيز على الشفافية والرقابة.

ومن جهة أخرى، رغم أن مبادرة جورج سوروس قد تفتح الباب لدعم دولي وتقني وتعزز الشفافية والمحاسبة، إلا أنها تثير تساؤلات حول استقلالية القرار المالي في لبنان، في ظل الوضع السياسي والاقتصادي الهش. ومن جهة اخرى، فإن الحديث عن الحفاظ على السيادة المالية يبدو غير واقعي، في بلد تآكلت فيه أدوات الرقابة والاستقلال.

مبادرة سوروس تثير القلق بسبب تجاربه السابقة في دول كتايلاند وهنغاريا، حيث اتُّهم بلعب دور في المضاربة على عملاتها، أو بدعم سياسات مالية اثارت اضطرابات مالية عدة، إلا أن غياب التوافق المحلي والضمانات قد يؤدي إلى فقدان السيطرة على السياسات النقدية. لذا، لا بد من نقاش داخلي يعيد تحديد أولويات الإصلاح من رؤى محلية، ويضمن دعماً سياسياً وشعبياً لأي تغيير مقبل.

أما الإشكالية الجوهرية، فتطرح تساؤلًا حول قدرة “مجلس نيابي” خاضع للتوازنات التي ساهمت في الانهيار، على إقرار قانون إصلاحي مشابه.. ما يستدعي تفعيل آليات رقابية صارمة، من أجل تحقيق إصلاحات مصرفية مستدامة، وهو ما يتطلب توفّر إرادة سياسية حقيقية، ومشاركة مجتمعية فعّالة لمكافحة الفساد، وضمان توزيع عادل للخسائر.

اقرا ايضا: تسريب وثائق لسلاح الجو الإسرائيلي يكشف عن ثغرات خطيرة.. ما علاقة إيران و«السيد»؟

السابق
حاكم مصرف لبنان من واشنطن: سنعمل على حماية المودعين وتنشيط الاستثمار
التالي
أسرار الصحف المحلية الصادرة يوم الخميس في 24 نيسان 2025