لبنان بين «شاقوفين»!

الحروب في لبنان

شهد الأسبوع الماضي ذكرى مرور نصف قرن على بداية الحرب الأهلية في لبنان التي إنفجرت في شقها الفلسطيني – اللبناني في 13 نيسان عام 1975 الذي أصبح تاريخاً رسمياً لها، بينما كانت معالمها اللبنانية قد بدأت – وهو ما يتجاهله الكثيرون للأسف لغايات سياسية – يوم 26 شباط من نفس العام ، يوم إطلاق النار على مظاهرة الصيادين في مدينة صيدا إحتجاجاً على عقد إحتكار شركة بروتيين لصيد الأسماك على طول الساحل اللبناني، ما أدى لإصابة زعيم التنظيم الشعبي الناصري معروف سعد ومن ثم وفاته لاحقاً في 6 آذار، ما أثار عاصفة من المظاهرات والإحتجاجات التي خلَّفت إحتقاناً وغلياناً ، فأتت حادثة بوسطة عين الرمانة لتكون صاعق التفجير الذي أطلق الحرب الأهلية اللبنانية – العربية من عقالها .

مرت الذكرى في أجواء داخلية لا تختلف كثيراً عن الأجواء الإجتماعية والسياسية التي كانت سائدة عشية تلك الحرب، سوى ببعض التفاصيل والأسماء التي تغيرت بلا شك بعد نصف قرن من الحروب المتتالية، سواء أكان بالنسبة للأجواء الإجتماعية أو السياسية الداخلية والإقليمية، ما يدعو إلى الإستنتاج بأن اللبنانيين بمن يمثلهم في السلطة لم يتعلموا شيئاً من دروس هذه الحرب بكل مآسيها وبما خلفته من دمار شامل غيَّر وجه لبنان . 

كان الوضع اللبناني عشية الحرب الأهلية مزيجاً من الإحتقان السياسي والإجتماعي الداخلي، نتيجة فشل النظام الطائفي والشرائح الإجتماعية التي يمثلها  في مجاراة التحولات السياسية والإجتماعية التي طرأت على المجتمع اللبناني طيلة 30 عاماً بعد الإستقلال، والذي تُرجم بداية السبعينيات من القرن الماضي بتظاهرات طلابية وعمالية تطالب بإصلاح النظام الطائفي وسياساته الإقتصادية، ما دفع أرباب هذا النظام وفي محاولة للهروب إلى الأمام إلى إتهام ما أسموه ” اليسار الدولي ” بمحاولة إشعال الثورة في لبنان .

القضية الفلسطينية

بالمقابل جاءت هذه التحركات الداخلية مترافقة مع دعم لقتال منظمة التحرير الفلسطينية ضد إسرائيل إنطلاقاً من الجنوب اللبناني بذريعة تخلُّف الدولة عن القيام بواجباتها في حماية الجنوبيين من الإعتداءات الإسرائيلية، التي تزايدت بعد إنطلاق العمل الفدائي الفلسطيني من لبنان ربطاً بإتفاق القاهرة بين السلطة اللبنانية ومنظمة التحرير الفلسطينية في العام 1969، ما أعطى الذريعة لقوى اليمين بإدعاء ” المظلومية الوطنية ” عبر فزَّاعة التوطين الفلسطيني ما غيَّب قضية إصلاح النظام لصالح الحفاظ على الوجود وأمن ” المجتمع المسيحي ” .  

فَشَل هذا النظام الطائفي في مجاراة المتغيرات في الداخل، واكبه بطبيعة الحال فشل أكبر في التعامل مع الوضع الإقليمي والمتغيرات التي طرأت عليه بعد نكبة فلسطين عام 1948، كان هذا الفشل نتيجة طبيعية لتركيبة هذا النظام الطائفي وفشله في التعامل مع معضلاته الداخلية، فما بالك بمشكلات وقضايا إقليمية ذات إمتداد دولي واضح في ظل الحرب الباردة .

بعد حرب تشرين عام 1973 التي كانت آخر الحروب العربية مع إسرائيل، والتي أفضت بنتائجها إلى فتح مسارات التفاوض ، بحيث بدأ الحديث عن السلام  خاصة مع إقتناع الرئيس المصري أنور السادات بأن 99 بالمئة من أوراق اللعبة في المنطقة – كما كان يسميها – هي بيد أميركا، دخلت المنطقة في مرحلة شد حبال عربية بين معسكرين، معسكر ” السلام ” ومعسكر   “الرفض “، فكانت الحرب الأهلية اللبنانية نتاج هذه الظروف الداخلية والإقليمية، فتحوَّل لبنان إلى ساحة لتصفية الحسابات ما بين أبنائه بعضهم البعض من جهة، وبين الجهات الإقليمية نتيجة لوجود العامل الفلسطيني صاحب القضية الأساس بثقلها على أراضيه من جهة أخرى، فكان أن إختلط حابل إصلاح النظام الطائفي أو تغييره، بنابل القضية الفلسطينية ومصيرها ما بين السلام الذي إختارته مصر، وحالة اللا سلم واللا حرب التي أرادها محور جبهة الرفض العربي العاجز أصلاً  عن الحرب بدون مصر . 

جاءت التحركات الداخلية مترافقة مع دعم لقتال منظمة التحرير الفلسطينية ضد إسرائيل إنطلاقاً من الجنوب اللبناني بذريعة تخلُّف الدولة عن القيام بواجباتها في حماية الجنوبيين من الإعتداءات الإسرائيلية

اليوم نعيش نفس الأجواء، ففي الوقت الذي تحاول فيه الدولة بسلطتها الجديدة النهوض بالبلد – وهذه نقطة إيجابية – ولو على ” عكازات ” دولية وعربية ضمن شروط محددة للإصلاح بعضها قاسٍ بلا شك ولكنها ضرورية من ضمن الواقع الذي وصلنا إليه نتيجة سوء إستعمال وإدارة السلطة في السنوات الماضية، نرى لبنان بدولته الجديدة هذه يعود ليكون بين شاقوفين من ”  المتطرفين “،

استعادة خطاب الحرب

يستعيدون خطاب الحرب الأهلية تحت نفس العناوين الإجتماعية والسياسية السابقة التي أدت لها ، وذلك عبر  بعض الجهات اليمينية المتطرفة  التي تنضوي تحت إسم ” المحافظون الجدد ” وتتخذ من حكومة المجر المتطرفة حليفاً لها ومثال، والتي تشن حملة شرسة ضد كل ما هو إصلاحي خاصة في موضوع المصارف ، ما يشي بمن وراءها من ” اللوبيات ” ومآربها،

يستمر حزب الله بالمكابرة والإصرار على ” تجريب المجرب ” الذي أثبت فشله ودفع هو وقياداته ومعهم لبنان وشعبه ثمن هذه التجارب المريرة

وهي حملة تتخطى التعبير عن الرأي والصراع السياسي لتتحول إلى حملة ممنهجة لشيطنة الآخر عبر شعارات ” السوروسية ” التي حلت محل ” اليسار الدولي ” التي كان حامل لوائها الشيخ بيار الجميل بداية السبعينيات، تترافق هذه الحملة في المجال المالي والإقتصادي والإجتماعي، مع حملة مزايدة على رئيس الجمهورية في موضوع سلاح حزب الله وهو الذي تعهَّد في خطاب القسم كما تعهَّدت الحكومة في بيانها الوزاري بالعمل على حصر السلاح بيد الدولة وحدها،

فيما يسعى الرئيس وحكومته لمعالجة الأمر بطريقته الخاصة، تطلع علينا هذه الأصوات بالمزايدة عبر إستعمال تعابير إستفزازية للطرف الآخر الذي يعرفون مدى حساسيته تجاه هذا الموضوع خاصة بعد التطورات الأخيرة، بحيث يبدو وكأنهم يريدون الإستثمار السياسي في هزيمته لصالحهم لا لصالح الدولة والوطن، الأمر الذي إلتقطه حزب الله ليعود ويستعمل هو الآخر مصطلحات كان يستعملها الأمين العام السابق والراحل السيد حسن نصر الله في سنوات الصراع عن ” قطع الأيادي ” التي تمتد للسلاح، وعن رفض ” نزع السلاح ” أو تسليمه وغيرها من المصطلحات التي تعيدنا إلى سنوات ما قبل الحرب الأهلية، وهي ممارسات تثبت بأن المعنيين وبعض ” أمراء الحرب ” السابقين لم يتعظوا ويتصرفوا على قاعدة أنهم منتصرون، بحيث ينظرون إلى الوضع فقط من زاوية تلاقي اللبنانيين بأغلبيتهم على رفض السلاح خارج الدولة، من دون الأخذ بعين الإعتبار التعقيدات الطائفية الموجودة كما المشاكل الإجتماعية الناتجة بمجملها عن السياسات السابقة التي يتحمل الجميع مسؤوليتها – ولو بنسب متفاوتة -، في حين يستمر حزب الله بالمكابرة والإصرار على ” تجريب المجرب ” الذي أثبت فشله ودفع هو وقياداته ومعهم لبنان وشعبه ثمن هذه التجارب المريرة، فإلى متى هذه المكابرة والإصرار على الخطأ من قِبَل الطرفين اللذين وللأسف يلقيان الدعم في بيئتهما الطائفية، بينما تبدو الدولة – حتى الآن على الأقل – ومريديها من اللبنانيين هي الطرف الأضعف رغم كم المؤشرات الإيجابية التي بدأت تظهر ولو ببطء، على أمل أن ينجح الرئيسان جوزيف عون ونواف سلام في مهمتهما الصعبة في تفكيك الألغام المزروعة – وما أكثرها – في طريقهما من قِبل المتطرفين في الداخل والخارج.

اقرا ايضا: العلاقات السورية اللبنانية.. اللحظة تمر لكن الألم يبقى

السابق
دمعة في وداع قداسة البابا نموذج رسالة السماء من أجل السلام
التالي
آفاق المفاوضات النووية والعقبات التي تواجه النظام الإيراني