علت نبرة أصوات الداخل اللبناني، وتمادت في مطالبة السلطة بضرورة أن تنزع من حزب الله سلاحه غير الشرعي، تجاوبًا مع خطاب قسم رئيس الجمهورية، وانطلاقًا من البيان الوزاري الذي استند إلى خطاب القسم في حصر السلاح بيد الدولة، والتزامًا بالقرار الدولي ال1701 الذي يجيز بحسب تفسيرات البعض سحب سلاح حزب المقاومة بدءًا من جنوب نهر الليطاني ووصولًا إلى أيّ منطقة لبنانية متسلحة بسلاح غير شرعي.
كما تولد هذا الموقف الصارخ من رحم دعوات العرب والغرب المصرّة على تشافي لبنان واستعادة عافيته، من خلال تسليم السلاح للدولة تمهيدًا للخير القادم من الدعم المفتوح لإعادة الإعمار وترميم الاقتصاد اللبناني، بعد سلّة كبيرة من السياسات الإصلاحية كما هي أوامر البنك الدولي.
عوائق نزع السلاح
بين رغبتين ملحتين داخلية وخارجية، يستعصي الحزب على الجهود المبذولة في هذا المجال، سواء من خلال إكمال إسرائيل لحربها عن طريق الاستهدافات اليومية، أو من خلال كمية الصغوطات الأمريكية التي تحملها لسلطة تبدو عاجزة عن حملها، أو من خلال سحب بساط الدعم العربي والخليجي تحديدًا، من تحت الحكومة والعهد طالما أنهما عاجزان عن الإلتزام بمندرجات القرارات الدولية.
هذا التباين الواضح بين الداخل والخارج، جعل الواقع على ماهو عليه دون أن يكون هناك بذل يُيذل من معارضي سلاح الحزب، وكل ما يرجوه الداخل هو انتظار الخارج كي يفعل فعله في معالجة أزمة عدم رغبة حزب الله في تسليم سلاحه للشرعية.
لا يوجد جهة داخلية قادرة على إلزام الحزب بتسليم سلاحه من قبل جهات معنية وموكل إليها مهام حفظ الأمن في البلاد، نتيجة البنية الديموغرافية المتحكمة في الكيان ككل
ثمّة عوائق كثيرة تمنع الحكومة من أن تكون قادرة على فعل ما ألزمت نفسها به، أوما التزمت به أمام العالم أجمع، وتبدو العائقة الأولى بائنة في وهن الحكومة القائمة على تمثيل طائفي يهدد وجودها ودورها، إذا ما خالفت طائفة نافذة كالطائفة الشيعية الوازنة في السلطة وخارجها، والتي تملك قوّة بقاء الحكومة من عدمها إذا ما تجاوزت مكونات الحكومة مصالح المكون الشيعي المتكور في هذة المرحلة حول السلاح، وهذا ديدن الموقف الرسمي الشيعي المتمثل بحركة أمل وحزب الله.
كما أنه لا يوجد جهة داخلية قادرة على إلزام الحزب بتسليم سلاحه من قبل جهات معنية وموكل إليها مهام حفظ الأمن في البلاد، نتيجة البنية الديموغرافية المتحكمة في الكيان ككل، والتي لا طائلة لها على الدخول في المجهول الطائفي.
انتخابات مفصلية
أمام هذا الواقع الواقع على السلطة، من المستبعد أن تكون هذه الحكومة حكومة مقتدرة على سلاح الحزب، ولن تشهد مرحلة تسليم الحزب لسلاحه، وبالتالي فإن عمرها القانوني يفرض عليها التعاطي مع ملفات أخرى من شأنها أن تحدد طبيعة المرحلة القادمة، على ضوء الانتخابات النيابية التي ستفرز نتائج سياسية من شأنها أن تعكس موازين القوى، وما سينشأ عنها من تحالفات، وستخاض الانتخابات النيابية بين فريقين يحملان شعارين لا ثالث لهما: “مع سلاح حزب المقاومة”، و”ضدّ سلاح الحزب”!
وهذان الشعاران مصدران أساسيان لشدّ العصب السياسي والحزبي والطائفي، وكل من حزبيّ شيعة السلاح، وأحزاب حصرية السلاح بيد السلطة وعلى رأسها حزب القوات اللبنانية، يحتاجون إلى تجييش الكتل الناخبة على قرقعة السلاح لضمان توازن سياسي، إمّا أن يُفضي إلى أكثرية نيابية مع السلاح أو لأكثرية نيابية ضد السلاح، وهذا ما سيكرس سلطة جديدة بأكثرية متمسكة بالسلاح، أو بأكثرية حكومية نازعة لدور السلاح تحت أيّ مبرر أو ذريعة طبيعية كانت أو مصطنعة.
ستخاض الانتخابات النيابية بين فريقين يحملان شعارين لا ثالث لهما: “مع سلاح حزب المقاومة”، و”ضدّ سلاح الحزب”!
حتى اللحظة افتقد الحزب لحلفاء تساكنوا معه في مساكن السلاح، وافتقد لأغطية داخلية كثيرة، ومن أهمها الغطاء المسيحي، بعد أن نام التيّار العوني نومة كابوسية، ويبدو أن كابوس باسيل سيستمر في الوسط المسيحي بعد أن فقد السلطة التي منحته قوّة التمثيل على فترات، إذا ما أحسن سمير جعجع إدارة الانتخابات النيابية من موقع جمع حلفائه المسيحيين وجعلهم في صفّه، دون أن يبخسهم حقهم في التمثيل، وعدم الذهاب في حصر النيابة بالقوات.
لم يعد لدى الحزب من الصداقة السياسية سوى صديق واحد هو الرئيس بري الذي اجتهد في جعل القرار 1701 منقذًا للحزب بعد أن خسر الحزب في استهدافاته المتعددة ما يمكّنه من صدّ جهد بري في تطويع القرار الدولي وجعله نافذًا على الحزب، في التخلي عن دوره كمقاومة، وعن سلاحه كمصدر قوّة وتمايز له عن باقي الأحزاب اللبنانية.
اقرأ أيضا: مسؤول رفيع في «الحزب» يبقّ البحصة.. استعداد للحوار حول السلاح
لذا فان حماية المقاومة سيكون من خلال تسليم دورها وسلاحها في منطقة جنوب الليطاني، عبر الرئيس بري الذي دفع الدبلوماسية الأمريكية إلى الإكتفاء بالقرار الدولي 1701 وجعله الخيار الوحيد لإيقاق الحرب الإسرائيلية المجنونة، وهو ما ادى إلى فتح باب الإستقرار بالتقيّد بالقرارات الدولية من بوابة القرار المذكور على ضوء الإلتزام الكامل به، ومن ثمّ الذهاب باتجاه ترسيم الحدود البرية على شاكلة الحدود البحرية، بعد أن تُرسّم الحدود مع سورية ثم جعل مزارع شبعا سورية، يكون برّي قد استكمل ما بدأه في وضع حد نهائي للحرب مع العدو الإسرائيلي.

