ئيس جمهورية، رئيس حكومة، مجلس وزراء، رئيس مجلس نيابي، مجلس نواب، وظائف وتعينات، تجَّار أزمات، زحمة قضاة ومفتين، وأرباب الطوائف ترتدي معاطف الآلهة، وكل تلك الألقاب والعناوين وأصحاب الصولجانات وأئمة الكهوف التي تملأ الجدران والكراسي الفارغة إلاَّ من زينتها المنمَّقة. هل نصدِّق أننا فعلاً نعيش في دولة؟ هل نعيش في دولة بالأصل أصلاً، أم أننا نعيش في كنف كنيف فكرة الدولة التي لا يراها المواطن “المهموم المدعوس المعفوس” في الأوراق الرسمية؟
ها نحن، رعايا، ضحايا، أموات يتنفسون، ليس لمواطنين، صباحاتنا سمٌّ رعافٌ تبدأ بحيرة حول هوية “الأمن” الذي يمكن أن نعيشه في هذا البلد أمان؟ أي أمان؟ أمان مَن؟ أمان لمن؟ على أي صعيد من الأصعدة؟ يا للسخرية والعجب العجاب، الدولة تملك رئيساً وحكومة ومجلس نواب ومصائب، لكنها لا تملك حتى القدرة على تأمين ما يسدَّ رغيف خبز المواطن، ناهيك عن الأمن أو حتى أبسط احتياجات الحياة.
ولكن، ما الذي يحصل على ملح هذه الأرض المباركة؟ هل من معجزات؟ هل كلما تمَّ تعيين شخص في منصب، تتحسَّن أوضاعنا، هل إذا جيئ بشخص طائفي حزبي أكلنا وشربنا؟ هل يعتقدون أن العناوين اللامعة ستجلب لنا الأمن والرخاء والحقوق والطمأنينة؟ أم أن المشكلة تكمن في أن المتسلِّطين والسلطة نفسها تفتقد إلى أسس الحكم الحقيقية؟
نحن نعيش في دائرة الخداع المغلق من الوعود الكاذبة، لا يراها إلا مَن هو في الخارج. أما مَن يعيش في الداخل فالحكاية وكل الحكاية أكبر من مجرد تصريح وتصريحات. شوارعنا مليئة بالحفر أكثر من الحلول، وزعماؤنا يتبادولون الأدوار كما لو أننا نعيش مسرحية هزلية على خشبة هذا البلد المسرحي، وكلَّ يؤدي دوره والبطل لا يموت، حيث المواطن هو الجمهور المشاهد الذي لا حول له ولا قوة. فهل الدولة هنا وعندنا لتحكم أم لتساوم على البيع؟
مجرّد أرقام
لم يعد المواطن يعلم إن كان مجرد “رعية” في يدٍ تلعب به، أم إن كان في وطنٍ حقاً يحق له أن يكون فيه مواطناً حقيقياً. وفي هذا الجو المشحون المكلوم بالارتباك، يختلط الخوف بالحيرة. لا أمن، لا دواء، لا كهرباء، لا ماء، لا استقرار، لا اقتصاد… فقط صلوات ومآذن وأجراس، فهل الدولة في لبنان هي مجرد وهمٌ ترفعه أيدي السياسيين الذين لم يُخلق مثلهم في البلاد، أم أنها مجرد وسيلة للسيطرة على شعبٍ يعيش دون حقوقٍ حقيقية؟
إذن، ما الفرق بيننا وبين الرعايا في الإمبراطوريات القديمة؟ كنا نعتقد أننا في جمهورية، لكن يبدو أننا مجرد أرقام صفرية وهوام أرضٍ همها علفها في سجلات من يعبثون بمصيرنا. هل نحن في دولة أم “زولة”، أم أننا مجرد ورقة صغيرة في مكاتب العزل السياسي، والاستخبارات العالمية؟. وبينما يخرج رئيس من هنا ودولة من هناك، ويعود رئيس من هنالك، بينما يستعرض وزراء الحكومة ألقابهم وبرامجهم، نجد المواطن في كل الطرقات والزواريب الضيقة، يتساءل: هل الدولة التي أراها هي نفس الدولة التي تروجون لها في محاضراتكم ومواثيقكم وسجَّادات صلواتكم لا تغادرونها إلا بالريبة والمواربة، هل نحن فعلاً رعايا مَن، وضحايا مَن، وأشلاء العملات الرخيصة من باعة الدين والتين والزيتون؟.
وهذا البلد المجنون، في ظل الفوضى الخلاقة والفوضويات السياسية الخداعة، ليس هناك سوى تساؤل واحد يليق بالواقع: إذا كان لا يُسمح للمواطن بأن يطمئن حتى على صحته أو أمانه الشخصي، فما هو دوره إذن؟ أهو مجرد فرد في قطيع يسير خلف مَن يقودونه إلى المجهول والنفق المظلم؟ إنَّا لله وإنَّا إليه “لراجعين” إكراماً للسجعية؟

