ثمة مشكلة كبيرة لدى قيادة “حزب الله” في قراءة المتغيرات التي حصلت في الاقليم ، والتي لتاريخه لم يستطع فهمها وتحليلها، واتخاذ خطوات جديدة تتناسب والمرحلة.
فلغاية اللحظة وعلى الرغم مما يحدث امام ناظريه، يستمر في خطاب سياسي عقيم مبني على المكابرة والجهل الحقيقي في كل ما يحصل، وغير قادر على الخروج من الشرنقة التي حبس نفسه فيها وابرزها “المقاومة واننا انتصرنا”.
اثبتت الوقائع ان اجهزة استخبارات العدو الصهيوني، تخترق كامل جسد “حزب الله”، بشقيه العسكري والامني
ففي الاولى اثبتت وقائع “حرب الاسناد”، التي خاضها منذ الثامن من تشرين الاول – اوكتوبر ٢٠٢٣، والتي استمرت حتى السابع والعشرين من تشرين الثاني – نوفمبر ٢٠٢٤، والتي على إثرها وقع اتفاق الاذلال والاستسلام، بعد مفاوضات مضنية تحت النار والدمار، خاضه وبتفويض منه لحليفه الرئيس نبيه بري، وكانت قيادة “حزب الله” القديمة والحالية، على علم بدقائق وتفاصيل التفاوض، والاطلاع على الورقة الامريكية، التي شكلت اساس نص قرار وقف إطلاق النار، والتي وافق عليها برغم من كل شروطها القاسية، والتي إعتُبرت وثيقة هزيمة واستسلام، خرج بعدها بفترة قصيرة بنظرية النصر والانتصار، الذي يفوق نصره في حرب ٢٠٠٦، على الرغم من انه في الحرب الاخيرة، اثبتت الوقائع ان اجهزة استخبارات العدو الصهيوني، تخترق كامل جسد “حزب الله”، بشقيه العسكري والامني، وهذا ما ساعدها في اغتيال وقتل قادته في الصف الاول والثاني والثالث، وحتى جميع عناصر المجلس الجهادي في الحزب، وبعد كل ذلك خرجوا بنظرية الانتصار، ولا زالوا يقومون بذات الاعمال والخطابات، التي سبقت الهزيمة بسنوات، تُرى اذا هذا كان انتصاراً، فكيف كانت لتكون الهزيمة.
ففي نهاية الاسبوع الماضي، والهمروجة التي افتعلها الحزب، والذي كان وراءها في دفع المواطنين للذهاب الى قرى الجنوب، التي لازال الاحتلال الصهيوني يرابطٌ فيها، وما رافقها من خطابات ونظريات تُحمل الدولة اللبنانية، نتيجة تأخر جيش العدو من الاستمرار في الاحتلال، وعدم الانسحاب في نهاية الستين يوماً، والتي نص عليها الاتفاق، كما وجه الاتهام لقوات الجيش اللبناني، في تقاعسه عن تحرير ما تبقى من مناطق محتلة، وهنا فعلاً قمة المهزلة والتي انتجتها “حرب المشاغلة والاسناد”، التي خاضها الحزب بقرارٍ ذاتي، دون العودة للدولة اللبنانية ولجيشها، وهنا هي ذاتها قيادة الحزب، التي لم تستطع حماية نفسها من اختراق العدو لها، وما وفرته تلك الخروقات من ان قيادة العدو، وجهت من خلالها ضربة ليست قاسية للحزب ومقاومته فحسب ،بل ضربة قاتلة اصابتها في روحه وجسده، ولكنه لم يتعلم من الدرس وتأثيراته ونتائجه.
هذه المقاومة برهنت انها قاصرة، وتحتاج لمن يحميها، لانها تتخذ من الجنوبيين دروعاً بشرية لاعمالها، لا بل كانت تختبئء بين بيوت الاهالي
كل هذا اثبت فشل نظرية مقاومته، في انها تحمي لبنان وجنوبه واهله، بل أن هذه المقاومة برهنت انها قاصرة، وتحتاج لمن يحميها، لانها تتخذ من الجنوبيين دروعاً بشرية لاعمالها، لا بل كانت تختبئء بين بيوت الاهالي، وكانت النتيجة ازدياد الاصابات في صفوف المواطنين، وهذا الدمار الكبير الذي الحقته حربه الاخيرة بلبنان وخاصة بجنوبه وضاحيته وبقاعه، وقد نتج عنها تدمير ما يزيد عن ثلاثين قرية وبلدة جنوبية، ومسحها عن الخارطة اللبنانية، وبقيت فقط في ذاكرة اهلها، الذين فقدوا املاكهم ومصادر رزقهم.
ومن هنا كانت همروجة نهاية الاسبوع الماضي وبداية الاسبوع الحالي، زيادة في عدد ضحايا الجنوبيين وزيادة في هدر دم اللبنانيين، في سبيل تحقيق مكاسب سياسية في الداخل اللبناني.
من هنا تأتي ضرورة ان يستوعب “حزب الله”، وما تبقى من قيادته المتغيرات، والرجوع الى بعض من منطق وعقل، لعله يعطيهم بعض التواضع في الداخل، قد يحفظ بعضاً من ماء الوجه، قد يُساهم في انخراطهم في العملية السياسية اللبنانية، بعيداً عن المكابرة والاستعلاء على بقية الاطراف اللبنانية، لان حربه الاخيرة اثبتت، ان اي طرف مهما علا شأنه، لا تحميه اسلحته وصواريخه، وإن كثُرت اعدادها، بل الذي تحميه الدولة اللبنانية بجيشها واجهزتها كافة.
من هنا على “حزب الله” ان يُقدم اعتذاره من الشعب اللبناني، ويتخلص من حالة الانكار التي يعيشها، وتبعيته للخارج الذي تخلى عنه، وأن نظرية وحدة الساحات ما هي إلا وهم، ادخلته في حرب اصابه بمقتلة، وبتدمير لبنان وهلاك شعبه.
واخيراً ثمة سؤال جوهري يراود اللبنانيين جميعاً: هل تعلم “حزب الله” واستخلص العِبر والدروس مما حصل، فيتخلى عن سلاحه وفقاً لنص الاتفاق، او انه سيستمر في المكابرة.

