تناول العديد من المفكرين الشيعة الدولة في كتبهم، ودعوا الى الإلتزام بالنظام والإندماج في المجتمعات التي يعيشون فيها، لكن هذه النظريات بقيت في صفحات تلك الكتب، ولم تلق طريقها الى التنفيذ لأسباب عقائدية دينية، يتعلق بعضها بفكرة أن الإسلام أمة، وأن الخلافة هي نموذج الحكم والخليفة هو الحاكم، وأن الحدود الجغرافية تخالف هذه المعتقدات.
من هنا لم تكن الدولة تمثل أهمية لهم، لأن السلطة ونفوذها الممتد خارج هذه الحدود، وطاعة ولي الأمر، واجبة في الأمور الدينية، وإن كان بعيداً خارج حدود الدولة التي يعيش بها المسلمون، وينطبق ذلك على الأديان الأخرى كذلك الأمر.
حدثت الحروب في لبنان وكان آخرها بعد عملية مساندة غزة، وما أدت اليه من دمار في لبنان، وما تبين من تنائج كارثية وتدميرية على الصعد كافة
ولكن المشكلة بدأت تظهر، عندما أراد المسلمون تطبيق تعاليم القرآن على أرض الواقع، مع إنتشار الإسلام السياسي، الذي بدأ يتعرض لأنظمة الحكم المخالفة لتعاليم الإسلام حسب إعتقادهم. ومع ظهور الجمهورية الإسلامية في إيران، راحت تعمل على تصدير الثورة وشعاراتها، وخاصة وصف أميركا ب”الشيطان الأكبر، وإزالة اسرائيل من الوجود، وبطبيعة الحال تلقف الشيعة الدعم الإيراني، وساروا في تطبيق هذه الشعارات.
إن سقوط الشعارات الرنانة الخارجية، وإنكشاف الواقع، دفع الشعب في الجنوب للتمسك بالدولة، أكثر من أي وقت مضى
وتجاوزوا مصلحة الدولة والوحدة الوطنية، وأخذوا على عاتقهم محاربة اسرائيل، وإستعادة القدس والصلاة فيها، والعمل على نشر التشيع عند السنة، وتهيئة الظروف لظهور الإمام المهدي الذين يعتقدون به.
حدثت الحروب في لبنان وكان آخرها بعد عملية مساندة غزة، وما أدت اليه من دمار في لبنان، وما تبين من تنائج كارثية وتدميرية على الصعد كافة، بشرية كانت أم إقتصادية أم سياسية، وأدت إلى كشف زيف كل الشعارات التي أُطلقت، والقائلة بالقدرة على حماية لبنان وإنزال الهزيمة بإسرائيل. وقامت اسرائيل باحتلال جزء من جنوب لبنان، قبل إتفاق وقف الأعمال العدائية، على أن تنسحب منه خلال ستون يوماً. ثم عادت لتماطل وتمدد فترة بقائها في الجنوب، وحيث لم يعد بالإمكان العودة الى المقاومة المسلحة، نظراً للتفوق التكنولوجي والتدميري الإسرائيلي، وجد الشعب في الجنوب نفسه أمام إحتمال خسارة أرضه، واستمرار تهجيره لزمن طويل، حيث أن اسرائيل لا تهتم لتنفيذ القرارات الدولة، المتعلقة بالإنسحاب من الأراضي المحتلة.
مع ظهور الجمهورية الإسلامية في إيران، راحت تعمل على تصدير الثورة وشعاراتها، وخاصة وصف أميركا ب”الشيطان الأكبر، وإزالة اسرائيل من الوجود، وبطبيعة الحال تلقف الشيعة الدعم الإيراني، وساروا في تطبيق هذه الشعارات
لذلك إندفع الشعب بعد إنقضاء مهلة الشهرين، الى محاولة دخول القرى الجنوبية، عنوة عن إرادة الإسرائيلي، لأن أي تأخير في هذا المجال يعتبر تثبيتاً للواقع، وعجزاً من قبل اللجنة الخماسية، لفرض الإنسحاب والتقيد بالإتفاق.
لم ير الشعب أثناء تصديه البطولي لقوات الإحتلال، سوى الجيش اللبناني مواكباً له، وطالباً حمايته الفعلية، على الرغم من رفع الأعلام الحزبية من قبل البيئة، التي لا زالت مأخوذة بالدفع الذاتي للشعارات السابقة، ولم يتسن لها الوقت الكافي للتفكير، ومراجعة حساباتها بعد كل ما جرى.
هناك تحول في الرأي العام، عند جزء مهم من أهل الجنوب، بأنه من غير الممكن التغلب على اسرائيل واستعادة الأرض بالحرب
إن سقوط الشعارات الرنانة الخارجية، وإنكشاف الواقع، دفع الشعب في الجنوب للتمسك بالدولة، أكثر من أي وقت مضى، ولو أن الأمر ما زال في بداياته، فهناك تحول في الرأي العام، عند جزء مهم من أهل الجنوب، بأنه من غير الممكن التغلب على اسرائيل واستعادة الأرض بالحرب. وأن كل الشعارات سقطت دفعة واحدة، وأن الخارج استعمل الجنوبيين، وأملاكهم وأرواحهم ودماءهم في سبيل مصلحته، ولم يذرف دمعة أو قطرة دم واحدة من أجل مُصابهم.
إقرأ أيضا: مشهد أشبه بأفلام الأكشن.. مطاردة مثيرة بين سيارة لبنانية ودبابة إسرائيلية في جنوب لبنان
وعلى الدولة المسارعة الى استغلال هذه الفرصة لتثبيت أقدامها وحضورها في الجنوب، وتقديم كل ما يلزم للشعب من أجل إعادته الى أرضه، بالتعاون مع المجتمع الدولي والأشقاء العرب، والضرب بيد من حديد، لكل من تخول له نفسه إعادة الكرة، ورهن الجنوب وأهله للمصالح الخارجية، سواء عبر تخزين السلاح، أو عبر المساعدات الإجتماعية والمؤسسات الرعوية. فهذا يجب أن يكون من مسؤولية الدولة وحدها فقط.

