فخامة رئيس الجمهورية،
دولة رئيس الحكومة المكلف،
في هذه المرحلة المفصلية، حيث يخطّ لبنان فصلاً جديداً من تاريخه، وفي وقت بدأت الآمال تنبعث مجدداً، ولو بخجل، لدى أولئك الذين لا يزالون يؤمنون بصمود جمهوريتنا، تقتضي المسؤولية الوطنية، أن يكون عملكما لتشكيل الحكومة الجديدة، مستنداً إلى أرفع القيم المتمثلة بالمسؤولية، والعدالة، وخدمة المصلحة العامة. من أجل الله، أحسنوا الاختيار.
لم يعد الوطن قادراً على تحمل المزيد من المماطلة أو تقديم التنازلات العشوائية التي تُملى عبر الألاعيب الصغيرة لـ”النظام القديم”
لم يعد الوطن قادراً على تحمل المزيد من المماطلة، أو تقديم التنازلات العشوائية التي تُملى عبر الألاعيب الصغيرة لـ”النظام القديم”، ذلك النظام الذي، وإن لم يكن الهدف القضاء عليه، فلا بدّ من تجاوزه بشجاعة وحكمة. مهمتكما لا تكمن في التدمير، بل في الارتقاء إلى مستوى التحديات. وهذا يتطلب رفض الضغوط والابتزاز، والشروط التي يسعى البعض لفرضها باسم حماية توازنات وهمية، لكنها في الحقيقة تعيق التقدم وتُطيل أمد الأزمة.
هذه ليست مجرد عملية تقنية، أو رقصة بروتوكولية حول الحصص الوزارية. بل هي لحظة تاريخية لإحداث قطيعة مع ممارسات الماضي، وتأسيس حكومة ترتكز على معايير التفوق، والنزاهة، وروح الخدمة العامة. يجب أن يكون احترام الدستور وقيم الجمهورية بوصلة عملكما، وأن تكون الكفاءة، والنزاهة، والتناسق في الرؤية والعمل هي المعايير الحاكمة لاختيار الوزراء.
التناسق، يا أصحاب المسؤولية، ليس مجرد تفصيل؛ بل هو حجر الزاوية في بناء حكومة متماسكة تعمل كفريق واحد. غياب هذا التناسق سيعيد إنتاج التناقضات التي شلّت الحكومات السابقة، وجعلتها عاجزة عن الإنجاز. يجب اختيار الوزراء وفق رؤية موحدة ومتجانسة، حيث تتكامل الأفكار والجهود لتحقيق أهداف واضحة تخدم الشعب.
التناسق ليس مجرد تفصيل بل هو حجر الزاوية في بناء حكومة متماسكة تعمل كفريق واحد
احذروا من الانتهازيين وأصحاب المصالح الذين يتقنون فن التخفي، فيتزينون بشعارات “النظام الجديد” بينما يسعون في الواقع، إلى إعادة إنتاج نفس العلل التي أودت بالبلاد. هذه الأقنعة لم تعد تنطلي على أحد. اللبنانيون لن يقبلوا بعد اليوم بأن يكون التغيير مجرد وهم، يخفي استمرار الهياكل الفاسدة نفسها.
إقرأ ايضاً: ندوة حوارية لـ«منتدى جنوبية» عن مصير المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية
إن الإيمان والأمل، وهما من أندر الموارد في الحياة العامة، يلوحان اليوم كنافذة صغيرة من النور. مسؤوليتكما هائلة: عدم إضاعة هذه الفرصة. ويجب، في هذا السياق، أن تكون القطيعة مع الماضي شاملة ومطلقة، لا سيما مع ثقافة العنف وأركانها الذين دمروا المؤسسات، وقوضوا الديمقراطية، وأغرقوا البلاد في الفوضى. إن تجاوز هذه الثقافة لا يعني فقط رفض ممارساتها، بل أيضاً بناء بديل يرتكز على سيادة القانون، واحترام الإنسان، ومناهضة كل أشكال التسلط والهيمنة.
لبنان يتطلع إلى سلطة حقيقية، جديرة بالثقة، قادرة على المساهمة في مصالحة اللبنانيين مع السياسة بعد عقود من الإحباط والجفاء
إن لبنان يتطلع إلى سلطة حقيقية، جديرة بالثقة، قادرة على استعادة احترام الديمقراطية، وفتح آفاق جديدة من الحداثة، والمساهمة في مصالحة اللبنانيين مع السياسة بعد عقود من الإحباط والجفاء.
فخامة الرئيس، دولة الرئيس المكلف، أكتب إليكما هذه الكلمات بصدق عميق، وإيمان بأن المستقبل الأفضل لا يزال ممكناً. لكن هذا المستقبل يعتمد، اليوم أكثر من أي وقت مضى، على أكتافكما. الفرصة أمامكما الآن. امتلكا الجرأة لاغتنامها، الحكمة لصونها، والرؤية لتحقيقها.
مع كل الاحترام والثقة.

