بإنتخاب العماد جوزاف عون رئيساً للجمهورية في لبنان، تكون الأمور – حتى الآن على الأقل – تسير في خطها المرسوم منذ إتفاق وقف إطلاق النار، الذي بدأ سريانه – عملياً على لبنان وحده – في 27 تشرين الثاني الماضي، والذي كان عرَّابه المبعوث الأميركي آموس هوكستين، ويكون بذلك كل ما قيل عن السلة المتكاملة، التي تضمنها الإتفاق صحيحاً، بغض النظر عن إدعاءات البطولة و “الإنتصارات” الوهمية، التي لا تنفع حتى للحفاظ على ماء الوجه، في ظل النكبة التي ضربت لبنان والطائفة الشيعية بشكل خاص.
فقد بات من الواضح تماماً، بأن التطورات والحرب الأخيرة على لبنان، كانت بقرار أو أقله بغض نظر دولي ، بعد أن تمادى “حزب الله” وسلطته اللبنانية، بتحدي المجتمع الدولي ومطالبه، التي تبدأ بالقرار 1559 ولا تنتهي بالقرار 1701، بل بإجراء إصلاحات إقتصادية ومالية بعد أن إنهارت هذه القطاعات تحت وطأة الفساد، الذي مارسته وتمارسه الطبقة السياسية الحاكمة، والتي خلَّفت ثالث أخطر أزمة مالية يتعرض لها بلد في العالم منذ 150 عاماً، والتي بدأت تضر ببعض قوانين الإقتصاد العالمي، من تبييض أموال وتهريب مخدرات، وإقتصاد نقدي مواز غير قابل للرقابة، ومن هنا كانت الضربات على الذراع المالية ل”حزب الله” المتمثلة بمؤسسة القرض الحسن، بالتوازي مع الضربات على الذراعين العسكرية والأمنية.
جاء خطاب القسم للرئيس الجديد ترجمة للمطالب الدولية من أجل لبنان وإعادة بناء الدولة الطبيعية فيه بعد حوالي العقدين من وقوعه تحت الوصاية الإيرانية غير المباشرة
جاء خطاب القسم للرئيس الجديد، ترجمة بشكل عام، لكل هذه المطالب الدولية من لبنان، ومن أجل لبنان وإعادة بناء الدولة الطبيعية فيه، بعد حوالي العقدين من وقوعه، تحت الوصاية الإيرانية غير المباشرة، التي حلت محل الوصاية السورية، التي أعقبت إتفاق الطائف، ودامت 15 عاماً، الأمر الذي ترك إرتياحاً لدى عامة، الشعب اللبناني والمحيط الإقليمي، خاصة وأن هذه التطورات تزامنت – بشكل لا يمكن أن يكون صدفة – مع إنهيار نظام آل الأسد، بعد 54 عاما من الحكم الذي ترك بصماته على لبنان وسياساته منذ العام 1970، وذلك مع تزامن وصول حافظ الأسد إلى السلطة في سوريا، مع وصول سليمان فرنجية إلى السلطة في لبنان، بما مثَّله آنذاك من إنهاء للعهد الشهابي، الذي كان يرمز – ولو نسبياً – لسيادة الدولة، عبر الأجهزة الأمنية القوية، وحكم القانون والمؤسسات، بعيداً من المحاصصة السلبية – إن صح التعبير – مع “أكلة الجبنة” من السياسيين من كل الطوائف، فضلاً عن علاقة فرنجية نفسه مع الحكم في سوريا – أي حكم – التي كانت علاقة قوية، ربما بحكم قرب الشمال اللبناني من سوريا، وله في ذلك كلمة شهيرة، بأنه وقف مع جمال عبد الناصر في عام 1958 فقط، لأنه كان حاكماً لسوريا يومها.
من غير المعقول أن يتم العمل للوصول إلى تحقيق ما تضمنه خطاب القسم من مبادئ ورؤى وممارسات جديدة ب “عدة الشغل” القديمة
اليوم وقد تمت الدعوة للإستشارات النيابية الملزمة، لتسمية رئيس حكومة العهد الأولى، التي ستكون مدتها محددة حتى تاريخ إجراء الإنتخابات النيابية العام المقبل، ستتوضح الصورة أكثر، حول ما إذا كانت المواكبة الدولية ستستمر، لتطبيق ما جاء في خطاب القسم من جهة، أو حول صحة ما أشيع عن فترة الساعتين، التي فصلت بين دورتي إنتخاب الرئيس الأولى والثانية، والتي سعى “الثنائي الشيعي” وأنصاره، إلى الإيحاء بأن صفقة ما قد تمت بين الجانبين، تم بموجبها الحديث عن رئاسة الحكومة، وحتى قيادة الجيش، وغيرها من المواضيع من جهة أخرى.
إقرأ ا أيضاً: من هو نواف سلام.. إسم ودور عالمي فرض نفسه خمس مرات في بورصة رئاسة الحكومة
من هذا المنطلق نقول، بأنه إذا كان المكتوب يُقرأ من عنوانه، ففي هذه الحالة فإن العهد الجديد للرئيس جوزاف عون، يُقرأ من رئيس حكومته، لأنه من غير المعقول، أن يتم العمل للوصول إلى تحقيق ما تضمنه خطاب القسم، من مبادئ ورؤى وممارسات جديدة، ب “عدة الشغل” القديمة، مع كامل معرفتنا وقناعتنا بالصلاحيات المحدودة للرئيس في هذا الإطار، إذ أن الكلمة الفصل في الموضوع هي للمجلس النيابي، الذي وحده مخوَّل بإعطاء الثقة للحكومة.
إسم رئيس الحكومة العتيد قد يعطي فكرة عن إتجاه الأحداث والتطورات المقبلة وعن مدى مواكبة المجتمع الدولي للوضع في لبنان
في هذا الإطار، ومن ضمن الصراع السياسي المشروع، سارعت قوى “المعارضة”، التي يقودها حزب “القوات اللبنانية”، إلى تسمية أحد أعضائها وهو فؤاد مخزومي ليكون مرشحها لرئاسة الحكومة، بعدما أشيع بأن ” الثنائي الشيعي” وأطرافا أخرى، متجهة لإعادة تسمية الرئيس نجيب ميقاتي لهذه المهمة، كذلك تقدَّم النائب التغييري إبراهيم منيمنة بترشيحه للمنصب، وهو ما أظهر المعارضة بشكل عام بمظهر المنقسم وغير المنسجم، وذلك عبر الطريقة التي تم فيها الإعلان عن الترشيحين، اللذين ظهرا وكأنهما متضادين، وهو ما يقوي من حظوظ الرئيس ميقاتي للفوز بهذا الترشيح، الأمر الذي أدى لظهور ما يمكن أن يكون الخيار الثالث للمعارضة، وهو أسم القاضي نواف سلام، الذي كان قد طُرح إسمه سابقاً عدة مرات وبقوة، ولم يتم التوافق عليه، نظراً لرفضه تماماً من قِبَل “الثنائي الشيعي” يومها، كما ورد في الإعلام، هذا الطرح اليوم وما قد يمثله نواف سلام من قيمة مضافة للعهد، بوصفه وجهاً جديداً على الساحة، وغير “محسوب” على الطبقة السياسية وممارساتها السابقة، كي لا نقول أكثر، يوحي بتكرار سيناريو إنتخاب الرئيس جوزاف عون، بوصفه خياراً ثالثاً ملائماً للمرحلة الحالية، داخلياً وإقليمياً وحتى دولياً، في ظل إستعداد العالم لإستقبال ساكن “البيت الأبيض” الجديد – القديم دونالد ترامب، بما عُرف عنه من حزم ومبادرة، وهو ما قد يكون أدى إلى بداية حلحلة المشاكل في المنطقة، الممتدة من فلسطين ولبنان وسوريا وصولاً حتى السودان، حيث بدأت ملامح الحلحلة ببداية تراجع وإنكسار ميليشيا الدعم السريع، أمام قوات الجيش السوداني الشرعي.
إذن من هنا يمكننا القول، بأن إسم رئيس الحكومة العتيد قد يعطي فكرة عن إتجاه الأحداث والتطورات المقبلة، وعن مدى مواكبة المجتمع الدولي للوضع في لبنان – وهو الأرجح برأيي – من عدمه، وإن غداً لناظره قريب . أما عن “الحرتقات” السياسية للأطراف، سواء في ما كان يسمى الموالاة أو المعارضة، وتذاكيها في موضوع التسمية، ومحاولة فرض كل طرف أمر واقع على الطرف الآخر، وضمن الصف الواحد أيضاً، فلذلك حديث آخر قد نعود إليه لاحقاً.

