في الثامن من تشرين الأول ” أكتوبر” 2023، وبعد يوم واحد من عملية “طوفان الأقصى” في غزة، أطلق “حزب الله” ما أسماه حرب “الإسناد والمشاغلة” ضد العدو الصهيوني، وذلك بهدف مساندة “حماس” عبر إشغال قوات العدو في شمال فلسطين المحتلة، من دون أي إعتبار لظروف لبنان الصعبة على كل الصعد، السياسية في ظل فراغ في رئاسة الجمهورية وحكومة “تصريف أعمال” مُختلَف على صلاحياتها، والإقتصادية في ظل الإنهيار الذي يعانيه منذ العام 2019، ما جعله غير مهيئ أصلاً، لخوض أي نوع من المغامرات، فبدأ بعمليات مقاومة عسكرية في مزارع شبعا، فيما بدا واضحاً أنها كانت رسالة بأنه سيبقى ضمن قواعد الإشتباك المعمول بها، في أضيق الحدود في المنطقة منذ إنتهاء حرب 2006، ما أوحى يومها بأن العملية ليست أكثر من رفع للعتب، ولحفظ ماء وجه “محور الممانعة”، الذي بدا وكأنه فوجئ بالعملية أو بتوقيتها على أقل تقدير، ما جعل البعض يجزم بأن قرار المساندة لم يكن لبنانياً صرفاً – أي بقرار “حزب الله” – بل هو قرار إيراني أُتخذ ربما على عجل، ومن دون حتى التشاور مع الحزب، وما شجَّع على هذا الإنطباع يومها، أن الأمين العام للحزب السيد حسن نصر الله، ظهر بعد حوالي شهر من إندلاع المواجهات، فيما بدا وكأنه – ربما – لم يكن “راضياً” عن القرار، ليشرح ويبرِّر و”يؤكد” موقف الحزب.
في 27 تموز “يوليو” 2024 وقع المحظور في منطقة العمليات العسكرية بين إسرائيل و”حزب الله” وذلك عندما سقط صاروخ في حادث ملتبس يومها في مجدل شمس بالجولان السوري المحتل فقتل 12 وجرح 34 شخصاً
لم تكن بطبيعة الحال حكومة إسرائيل ورئيسها بنيامين نتنياهو، الذي بدا ك “الذئب الجريح” يومها، خاصة مع التعاطف الدولي الذي حظيت به، لترضخ وتقبل بقواعد “حزب الله” للحرب، وهو ما تجاهله الحزب ومن ورائه محور الممانعة، بدافع الغرور وتحت تأثير “وهم” أن إسرائيل، غير قادرة على الحرب على جبهتين أو أكثر، وكان هذا الإعتقاد أول خطأ إرتكبه الحزب، خاصة وأن القواعد التي أرادها للحرب، والتي هي أشبه ما تكون ب “نصف حرب” ، أطلقت مؤشرات ضعف لم تكن لتغيب أو تخفى على العدو الصهيوني، لأن منطق الأمور خاصة في ظل ظروف متأزمة وضاغطة، كالتي كانت سائدة يومها يقود – بعيداً عن الغرور والشعور بفائض القوة الوهمي – إلى أنه في المعارك المصيرية الكبرى – أقله بالنسبة لإسرائيل – لا يوجد ما يسمى “نصف حرب”.
هكذا ردت إسرائيل بتخطي قواعد الإشتباك تدريجياً، بدايةً بقصف القرى الحدودية، وبعدها بإستهداف المدنيين من دون رد فعل قوي من “حزب الله”، كما كان يوحي في خطابه السياسي، بل بتوسيع محدود للقصف على طريقة “مجبر أخاك لا بطل”، إلى بعض المستوطنات ككريات شمونة وبعض المواقع العسكرية وأعمدة الإرسال والتجسس، فبدأت إسرائيل بإستهداف المدن الكبرى والبعيدة عن الحدود، عبر ملاحقة القادة الميدانيين للحزب، الذين بدأوا بالتساقط واحداً تلو الآخر، بطريقة غير منطقية ومريبة، لم يجرِ التوقف عندها كما يجب، حتى كانت ضربة الضاحية الجنوبية الأولى، بإستهداف القيادي الحمساوي صالح العاروري، والتي كانت تستوجب بموجب خطاب “حزب الله” أن يكون الرد عليها بقصف تل أبيب، الأمر الذي لم يحصل، فكان هذا هو المؤشر الأكبر وتأكيد المؤكد، بعدم رغبة محور الممانعة بتوسيع الحرب، ما أطلق إشارات ضعف إضافية، وهنا كان الخطأ الثاني بإستمرار المعركة بدل التراجع، أو على الأقل تغيير تكتيكاتها، بعد أن بات واضحاً بأن الساحة مفتوحة أمام إسرائيل، ما تسبَّب بخسائر فادحة في صفوف المقاتلين والمدنيين اللبنانيين فضلاً عن الدمار الهائل، خاصة وأن هذه التطورات ترافقت مع بداية تحرك أميركي، قاده آموس هوكشتاين، بهدف وقف التصعيد مقابل طرح بعض الحوافز على لبنان، كالدعم الإقتصادي للجنوب والمساهمة في حل نقاط الخلاف البرية على الحدود – كما قيل في الأعلام وقتها، وكما لمَّح بذلك إبان الحرب هوكشتاين نفسه بما يشبه التأنيب، الأمر الذي رفضه “حزب الله” في عدة محطات، بإسم “وحدة الساحات”.
إغتياله السيد نصر الله في مقر قيادة “حزب الله” في الضاحية الجنوبية وإستمراره بالحرب كانت الضربة التي قصمت ظهر المحور الإيراني بحق
في هذه الأثناء، كان الحرس الثوري في إيران يصعِّد كلامياً، بينما الرئيس السابق إبراهيم رئيسي يوافق على بيان القمة الإسلامية في الرياض، التي كانت قد عُقدت في 11 تشرين الثاني “نوفمبر” لبحث الأوضاع في غزة، والذي أكَّد على وقف إطلاق النار وإطلاق سراح الرهائن وعلى حل الدولتين في فلسطين، رئيسي الذي ما لبث أن “قتل” في حادث طائرة يوم 19 أيار “مايو” 2024 بسبب ظروف “مناخية” غير ملائمة أثناء عودته من أذربيجان, كما قيل يومها, بالرغم من أن طائرتين مرافقتين له قد هبطتا بسلام، وقضى معه وزير خارجية إيران المخضرم حسين عبد اللهيان، لتنتقل السلطة بعدها من التيار “المحافظ” إلى التيار “الإصلاحي” وذلك بفوز مسعود بزشكيان بإنتخابات الرئاسة، ما أعطى إنطباعاً بإمكانية تغيير في السياسات الإيرانية المتبعة، ولو في أسلوب التعاطي مع العالم.
إقرأ أيضاً: العَدُّ التنازلي لـ 27 يناير يتسارع..انسحاب إسرائيل من لبنان أو عودة الحرب!
في 27 تموز “يوليو” 2024، وقع المحظور في منطقة العمليات العسكرية بين إسرائيل و”حزب الله”، وذلك عندما سقط صاروخ في حادث ملتبس يومها في مجدل شمس بالجولان السوري المحتل، فقتل 12 وجرح 34 شخصاً، لتبدأ إسرائيل الحرب فعليا من دون إعلان رسمي ضد “حزب الله” وتالياً المحور، وذلك بإغتيال رئيس أركانه القيادي فؤاد شكر في 30 تموز “يوليو” في قلب الضاحية الجنوبية لبيروت معقل الحزب، وفي نفس الليلة تم إغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة “حماس” إسماعيل هنية في قلب طهران عاصمة رأس المحور إيران. مرة أخرى لم يكن رد “حزب الله” فورياً ولا “رادعاً”، طبقاً لما كان يعلنه من تهديدات صدَّقتها بيئته، بدليل أن البعض منها ترك بيته في الضاحية الجنوبية لإعتقاده بحتمية رد الحزب ما قد يؤدي لإندلاع الحرب الشاملة، وكانت غلطة الحزب الثالثة والقاتلة هذه المرة, عندما إنتظر أكثر من شهر ليرد بعدها، رداً لا يتناسب مع الحدث بغض النظر عن البيانات المعلنة، مع ما تركه هذا التصرف مرة أخرى من مؤشر على ضعف ما، أو عدم رغبة بالتصعيد والأمر هنا سيَّان، وقد ظهر بعدها السيد حسن نصر الله ليطمئن الناس، وعلامات الإرتياح بادية على وجهه، وكأنه أزال عبئاً عن صدره ويدعوهم للعودة إلى بيوتهم.
تأخر “الحزب” عن الرد على مقتل قائده فؤاد شكر واغتيال اسماعيل هنية في ايران وانتظاره لأكثر من شهر كان خطأ كبيراً منه
إيران كذلك إكتفت بالتهديد والوعيد، والبيانات عالية اللهجة كعادتها، مع “الإحتفاظ بحق الرد في الزمان والمكان المناسبين”، وبتسريب السيناريوهات المختلفة عن عملية إغتيال هنية، الأمر الذي ترك إنطباعاً هو الآخر، عن أن هناك عجزاً واضحاً ورغبة في عدم التصعيد، ما ترك الساحة عملياً لإسرائيل كي تسرح فيها وتمرح، سواء في غزة أو لبنان أو سوريا، حتى كان يوم 17 أيلول “سبتمبر” يوم موقعة “البيجرز” التي كانت إيذاناً بالمرحلة الحاسمة من الحرب، حيث تبعها في اليوم التالي تفجير أجهزة اللاسلكي، ومن ثم إغتيال قادة قوة “الرضوان”، وبعدها بثلاثة أيام إنطلاق الحرب رسمياً على لبنان، ما دعا الولايات المتحدة وفرنسا للتحرك، وإصدار بيان بوقف الحرب، وفق شروط وافق عليها لبنان، ومن ضمنه “حزب الله” والسيد نصر الله شخصياً، كما أكدت الحكومة اللبنانية يومها، لكن نتنياهو وبعد أن كان أُعلن عن موافقته وهو في طريقه إلى نيويورك، تراجع وضرب ضربته الكبرى ليلة 27 أيلول بإغتياله السيد نصر الله في مقر قيادة “حزب الله” في الضاحية الجنوبية، وإستمراره بالحرب، لتكون الضربة التي قصمت ظهر المحور الإيراني بحق، والتي ردت عليها إيران رداً “بالجملة” بحيث إعتبرته إنتقاماً موحداً، لكل من إسماعيل هنية والسيد نصر الله في ردة فعل كانت محل إشمئزاز حتى المقربين من المحور ومؤيديه، سيما وأن الرد بدا مدروساً ومنسقاً مع الأميركيين، وهكذا تكون حرب “الإسناد والمشاغلة”، قد جرَّت النكبة على لبنان وشيعته، عبر دمار مناطقهم والقبول بما كان مرفوضاً من قبل من تنفيذ للقرار 1701، نكبة كانت قد مهَّدت لها عملياً “كذبة الإنتصار”، التي أطلقها وصدَّقها “حزب الله” وأتباعه في العام 2006.

